لقد صادفتنى الفرصة الطيبة فى الوقت القليل الذى أخصصه للقراءة العامة خلال شهر رمضان الكريم، تصفحى منشورات صادرة عن دار الهلال تم نشرها فى فبراير ٢٠٢٦، حيث قراءة دراسة مائزة عن شاعر الرباعيات عمر الخيام، هذه الدراسة للأستاذ الدكتور أحمد الحسيسى أستاذ الأدب الفارسى بجامعة عين شمس ورئيس لجنة الترجمة بإتحاد كتاب مصر، والذى جذبنى هى فلسفة رباعيات الخيام والتى تعكس تأملات فلسفية فى الحياة، وسأحاول جاهدا فى مقالى هذا على إيصال بعض هذه التأملات الفلسفية الحياتية للقراء المحترمين، وفى البداية من هو عمر الخيام؟ هو شاعر وفيلسوف وعالم فارسي شهير (1048-1131م)، ولد في نيسابور التى تقع فى الزاوية الشمالية الغربية من إيران على حدود روسيا وأفغانستان، وكان والده صانعاً للخيام (ومن هنا جاء اسمه)، وكان عالماً فلكياً ورياضياً بجانب كونه شاعراً، واشتهر بـ"رباعياته" التي تعكس تأملات فلسفية في الحياة، الموت، والقدر.
وقد حظيت رباعيات الخيام بإهتمام واسع عالمياً وعربياً، وتُرجمت بواسطة شعراء بارزين مثل أحمد رامي الذي غنت أم كلثوم ترجمته، وأضيف هنا أن أحمد رامي (1892-1981) هو شاعر مصري بارز، عُرف بلقب "شاعر الشباب"، وقام بترجمة رباعيات عمر الخيام عن الفارسية مباشرة، ونشرها في عام 1924 وتميزت ترجمته بأسلوب شعري إبداعي يجمع بين روح الفلسفة الأصلية والذوق العربي، وقد غنت أم كلثوم منها عام 1950، وأيضا الشاعر الزهاوي حيث تُعد ترجمة الشاعر العراقي الكبير جميل صدقي الزهاوي (1863-1936) لرباعيات عمر الخيام من أبرز وأجمل الترجمات العربية، حيث نقلها عن الفارسية نثرًا ونظمًا (شعرًا) بأسلوب قريب من روح النص الأصلي، ولايفوتنى فى الإضافة هنا الإنتشار العالمي لترجمة الرباعيات حيث تعد ترجمة البريطاني إدوارد فيتزجيرالد للإنجليزية من أشهر الترجمات العالمية التي نشرت رباعيات الخيام عالمياً، ومن هذا العرض التقديمى أنتقل إلى تساؤل أكثر تشويقا: ماذا عن الرباعيات؟، فالرباعيات هي مقطوعات شعرية فارسية تتكون من أربعة أبيات، عُرفت بتركيزها على الجوانب الوجودية، وتأملات في الفناء والتمتع باللحظة الحالية، ولقد أصبحت رباعيات الخيام رمزاً للأدب التأملي الذي يدمج بين الفلسفة والشعر، وظلت محل دراسة وتحليل في الأوساط الأدبية العربية والعالمية.
والجدير بالذكر أنه تعد رباعيات عمر الخيام (القرن 12م) نتاجاً شعرياً وفلسفياً فارساً فريداً، يمزج بين الشك واليقين، والتفكر في حتمية الموت وقصر الحياة، ونُقدت الرباعيات باعتبارها دعوة للإستمتاع باللحظة (التلذذية) والشكوى، وتراوحت التفسيرات بين وصفها بـ"الكفريات" والتهكم على القضاء والقدر، وبين كونها رمزية صوفية عرفانية، أما عن التناقض الفكري فقد تراوحت بين الشك في المعاد واليأس من الحياة (الأبيقورية) وبين التأمل الصوفي العرفاني، مما جعلها محور جدل بين وصفه بالخلاعة أو الزهد، وأضيف هنا علما أن الأبيقورية هي فلسفة يونانية قديمة أسسها أبيقور (341-270 ق.م)، تهدف لتحقيق السعادة (أتاراكسيا) عبر عيش حياة بسيطة، معتدلة، وهادئة، خالية من الخوف والألم ولا تدعو إلى الإسراف في الملذات، بل إلى التحرر من الألم الجسدي والاضطراب النفسي (الطمأنينة)، وبالعودة إلى رباعيات الخيام من حيث الزمن والمكان فقد عكس الخيام حالة من القلق الفكري في عصره، متأثراً بعلم الفلك، مما جعل رباعياته تساؤلات مفتوحة حول الكون والوجود حيث لا إجابات يقينية، ماسبق كانت قراءة نقدية بسيطة لكاتب سطور هذا المقال لهذه الدراسة المائزة للدكتور أحمد الحسيسى عن شاعر الرباعيات، وللحديث بقية إن شاء الله.
للتواصل مع الكاتب من خلال هذا الميل: [email protected]