"القافر" العُماني .. الإعلام الثقافي يعزز محور "الإنسان والمجتمع" في رؤية عُمان 2040

"القافر" العُماني .. الإعلام الثقافي يعزز محور "الإنسان والمجتمع" في رؤية عُمان 2040مسلسل القافر العُماني

عرب وعالم8-3-2026 | 12:47

يؤدي الإعلام العُماني دوراً مهماً في تعزيز رؤية عُمان 2040 عبر محور "الإنسان والمجتمع" من خلال نشر الوعي بمستهدفاتها الوطنية، وتسليط الضوء على إنجازات التنويع الاقتصادي، والحوكمة، والتنمية المستدامة، وقد حدثت وزارة الإعلام منظومتها الإعلامية وقوانينها (مثل اللائحة التنفيذية لقانون الإعلام) لتتناسب مع الرؤية، معززة الهوية الوطنية، والابتكار، والشراكة المجتمعية.
تتركز جهود الإعلام العُماني في دعم رؤية 2040 عبر عدة أدوات، أولها: نشر الوعي ومتابعة التنفيذ، حيث تبرز وسائل الإعلام (المرئية، المسموعة، المطبوعة، والإلكترونية) التقدم في مؤشرات الرؤية، خاصة في محاور: الإنسان والمجتمع، الاقتصاد والتنمية، والبيئة المستدامة، والحوكمة.
ثانيها: إبراز صورة سلطنة عُمان التنموية عالمياً، مما ساهم في رفع المواد الإعلامية الدولية عن عُمان بنسبة تزيد عن 52% في عام 2024. وثالثها: تحديث التشريعات، إذ أعلنت وزارة الإعلام عن اللائحة التنفيذية لقانون الإعلام الجديد لتعزيز الاستثمار في الإعلام وصناعة المحتوى الرقمي بما يتماشى مع الرؤية.
ورابعها: تعزيز الهوية والشراكة، حيث يركز الإعلام على التوعية الثقافية، ودعم المبادرات الوطنية، وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما أن وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 تعتمد على الإعلام كشريك استراتيجي في إيصال الحقائق حول تقدّم الأهداف الوطنية، حيث تُحرز 74% من مؤشرات الرؤية تقدماً ملموساً، معززة التوجهات نحو الاقتصاد الرقمي والتنويع الاقتصادي.
وفي إطار الدور المحوري الذي تلعبه وزارة الإعلام في تعزيز وخدمة أهداف رؤية عُمان 2040، يعرض تلفزيون سلطنة عُمان أحد أذرع المنظومة الإعلامية، ضمن دورته البرامجية لشهر رمضان المبارك 1447 هـ /2026م، المسلسل العُماني الدرامي "القافر"، الذي يجمع كوكبة من النجوم العُمانيين البارزين، وهو مقتبس من رواية "تغريبة القافر" للكاتب العُماني زهران القاسمي، الفائزة بجائزة البوكر العربية 2023.
الراصد للعمل الدرامي الحالي تقوده الذاكرة إلى فكرة الرواية وحقيقتها المائية؛ فهي تكشف واقعاً يجسد الحياة اليومية لإحدى القرى العُمانية، وتروي قصة أحد السكان من مقتفي أثر الماء.
ومن خلال مشاهد المسلسل المتصاعدة، تتبلور وظيفة "القافر" المتمثلة في البحث عن الماء في جوف الأرض؛ فوظيفته ليست عابرة، بل هي ارتباط بالماء منذ ولادته، بدءاً من والدته التي ماتت غرقاً في إحدى آبار القرية، والتي كانت تعاني أيضاً من صداع مزمن كان علاجها فيه هو الماء، مروراً بوالده الذي طُمر تحت أحد الأفلاج جراء انهيار سقف عليه.
تكمن أهمية العمل الدرامي "القافر" في تصويره الدقيق للعادات والتقاليد، ومنظومة القيم، والعلاقات الاجتماعية، والذاكرة الجمعية في المجتمع العُماني. إذ يتيح المشاهد التعريف بأسلوب العيش التقليدي في عُمان، ومكانة الأسرة، ودور الشيخ، والطقوس الجماعية، والممارسات الاجتماعية، وأنماط التفاعل بين الأجيال؛ وهي عناصر لا تُقدَّم بوصفها ماضياً بعيداً، بل باعتبارها جزءاً حيّاً ومتجدداً من هوية عُمان المعاصرة.
والمجتمع العُماني الحديث ما يزال متمسكاً بهذه القيم؛ فاحترام التقاليد، والتكافل الاجتماعي، والأخلاق الجماعية، والروابط الأسرية تؤدي دوراً أساسياً في بنيته الاجتماعية. ومن هذا المنظور، لا يُعدّ العمل الدرامي"القافر" إعادة تمثيل لحقبة تاريخية فحسب، بل انعكاساً لاستمرارٍ ثقافي في عُمان اليوم.
والرواية لسيت مجرد حكاية عن الماء أو الفقد، بل كانت مرآة لبيئة كاملة، ولعلاقة الإنسان العُماني بأرضه، بالأفلاج، وبالخوف من الجفاف، وبالسلطة الاجتماعية داخل الحارة. فيها بُعد قيمي وإنساني عميقين يجعلان القارئ يشعر أن الشخصيات تشبهه أو تشبه من يعرفهم.
يجد العمل الدرامي سياقاً واضحاً لذاكرة الأفلاج وارتباط ذلك بالحياة القروية في عُمان قدِيماً، إذ يمثل نظام الأفلاج أحد أعظم المنجزات الحضارية في تاريخ عُمان، وأحد أعمدة استقرارها الاجتماعي والاقتصادي عبر القرون، فالأفلاج لم تكن مجرد قنوات لريّ الأراضي الزراعية، بل كانت منظومة متكاملة من القيم والتنظيم الاجتماعي والضبط الفقهي الذي شكّل جوهر الحياة في القرى والمدن العُمانية.
لم يكن نظام الأفلاج في عُمان مجرد آلية مائية لتنظيم الري، بل كان مدرسة متكاملة في بناء القيم الاجتماعية والإنسانية، فمن خلاله تبلورت مجموعة من المبادئ التي أسست لشخصية المجتمع العُماني عبر القرون، في مقدمتها قيمة العدالة التي ظهرت في التوزيع المنصف للمياه بين الشركاء دون تمييز، وقيمة التكافل التي تجسدت في التعاون الجماعي لإصلاح القنوات وصيانة المجاري، وقيمة الانضباط والمسؤولية التي تجلّت في احترام أوقات السقي والالتزام بالأنصبة المقررة لكل طرف، كما برزت قيمة الشورى والمصلحة العامة في القرارات التي تُتخذ بشأن إدارة الأفلاج وصيانتها، حيث كان الرأي الجماعي هو المرجّح دائما.
وإلى جانب ذلك، ترسخت قيمة الاحترام المتبادل بين الأهالي نتيجة التفاعل اليومي حول موارد المياه المشتركة، كما نجد قيمة التكاتف الاجتماعي بين أبناء المجتمع في الاستجابة للحالات الطارئة، ومن هنا يمكن القول أنه من خلال هذه المنظومة الأخلاقية والعملية، أسهم نظام الأفلاج في بناء مجتمع منظم ومتوازن، تسوده روح المشاركة والتعاون، وتستمر قيمه في وجدان العُمانيين حتى العصر الحديث.
وقد شكّل الفلج العمود الفقري للاقتصاد الزراعي العُماني، فارتبطت به ملكية الأراضي، وحركة الأسواق، ونظام الوقف، والمعاملات التجارية، والفلج كان أصلا ماليا ذا قيمة عالية، وكان للأوقاف المائية كذلك دور اجتماعي بارز؛ إذ خُصصت بعض الحصص لسقي المساجد والمقابر والطرقات، وهكذا تحوّل الماء من مورد خاص إلى أداة لخدمة الجماعة وتعزيز روح التكافل، كما أسهمت طبيعة التوزيع العادل للمياه في الحد من التفاوت الطبقي، فالماء يُقسَّم بالساعات لا بالمكانة أو النفوذ.
وفي ذات السياق، يعدّ نظام الأفلاج شاهدا على عبقرية الإنسان العُماني في توظيف بيئته الجافة لتشييد حضارة مائية مستدامة، فالأفلاج التي أنشئت قبل أكثر من ألف عام ما زالت تجري حتى اليوم، شاهدة على وعي حضاري مبكر بمفهوم "الاستدامة"، وقد نشأت حول الأفلاج الحارات، والمساجد، والأسواق، مما جعلها مركزا للحياة الثقافية والاجتماعية، ولذا فدراسة الأفلاج ليست مجرد بحث في التراث، بل في بنية المجتمع العُماني نفسه، الذي ظل وفيا لقيم التوازن والاعتدال عبر الزمن.
يجسد مسلسل "القافر" قدرة الجيل الجديد على استيعاب المواقف المركبة، والتعامل معها بوعي وانضباط انفعالي، وفي لحظات التوتر والخوف والترقب ظهر قادرًا على قراءة الإشارات، وتحويل القلق إلى تركيز، بما يجعل الطفولة عدسة لفهم المجتمع.
يطرق هذا العمل الدرامي بوابات الصناعات الإبداعية، والاقتصاد المعرفي لبناء إنسان الغد، فالطفل يتعرف إلى قدراته الذاتية داخل سياقات ثقافية حقيقة يكون له دور كبير في تمثيلها، وبالتالي يعيد ترتيب وعيه عن ذاته، ومشاركته وحضوره الثقافي والمجتمعي، وما قدمه العمل في صورة الطفل القافر ما هو إلا نموذج ناجح في رعاية الموهبة وتصديرها للمجتمع في أبهى مكانة.
هذا المعنى يتسق مع محور الإنسان والمجتمع في رؤية عمان 2040 الذي يركز على منظومة فاعلة للإبداع والابتكار تسهم في بناء اقتصاد المعرفة ومجتمعها، فحين يقدم العمل طفلا قادرا على حمل المعنى والرمز، فهو لا يعرض موهبة فردية فحسب، بل يلمح الى مسار تنشئة يمكن تعميمه، وذلك بالاكتشاف المبكر، والتدريب، والبيئات داعمة، والمنصات الاحترافية.
وبذلك يغدو تحويل الرواية الى مسلسل جزء من الصناعات الثقافية والإبداعية التي تعيد توظيف التراث والهوية في منتج وطني يبث عبر القنوات الرسمية، يوسع أثر الثقافة في المجتمع ويعزز الاستثمار في الإنسان بوصفه غاية التنمية وأداة الاقتصاد المعرفي.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان