الجالية اليهودية فى إيران من أقدم الجاليات اليهودية فى العالم، إذ يعود وجودها إلى عهد الإمبراطورية الفارسية القديمة، ولا يزال قرابة 10آلاف يهودى يعيشون هناك، رغم الحروب المتتالية بين إسرائيل وإيران، ويتمتعون باعتراف رسمى من قبل النظام الإيرانى كأقلية دينية، لكن الضربات المتبادلة بين إسرائيل و إيران، بدعم أمريكى لإسرائيل، كشفت – حسب تقارير عبرية وأجنبية– عن حالة من القلق والرعب داخل أوساط اليهود الإيرانيين، الأمر الذى دفعهم إلى إظهار الولاء للنظام الإيرانى، فى محاولة لتجنب الشبهات والضغوط الأمنية.
هذه التقارير، أشارت إلى أن العلاقة بين الجالية اليهودية والسلطات فى طهران لا تزال معقدة ومليئة بالحذر، حيث يحاول يهود إيران الموازنة بين إعلان الولاء للنظام والحفاظ على أمنهم الشخصى.
ويأتى ذلك كرد فعل للدرس الذى تلقاه اليهود على يد السلطات الإيرانية عندما شنت موجة اعتقالات ضدهم أثناء حرب يونيو الماضى، حيث تم اعتقال 35 يهودياً إيرانياً وتم التحقيق معهم بتهمة التجسس، بعد أن اكتشفت الأجهزة الإيرانية وجود شبكات تجسس إسرائيلية، ومنذ ذلك الحين أصبح يهود إيران حريصون فى تحركاتهم بالشوارع الإيرانية، خاصة أثناء فترة الاحتجاجات.
وذكر موقع «ميقور ريشون»، أن المجتمع اليهودى الإيرانى فى خضم موجة الاحتجاجات الأخيرة، بذل جهودًا حثيثة للبقاء بعيدًا عن الأنظار، مع حرصهم على إثبات ولائهم لإيران، ولم يخرجوا من منازلهم، وإن خرجوا، فكان ذلك لشراء الضروريات الأساسية، بينما إذا شوهد اليهودى مع عائلته أو مع خمسة أو ستة أشخاص، يُنظر إلى الأمر على أنه احتجاج، ويُعتقلون على الفور.
وقد امتلأت قناة جمعية الجالية اليهودية الإيرانية على تطبيق تليجرام، خلال الحرب الحالية، برسائل محايدة تمت صياغتها بعناية لإعلان إغلاق المعابد دون ذكر السبب، فى الوقت الذى يعلم فيه الجميع السبب الحقيقى لغلق المعابد، وهو خوفهم من الملاحقات الأمنية.
على نحو مماثل، يحاول يهود إيران تفادى هذه الاعتقالات فى الحرب الحالية بإظهار ولائهم للنظام الإيرانى وإعلان تأييدهم له ومناهضة إسرائيل، حيث شن زعماء يهود إيرانيون هجوما شرسا على دولة الاحتلال.
وفى هذا السياق، هاجم ممثل اليهود فى البرلمان الدكتور خمين شامة، النظام الصهيونى ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكذلك الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مشيرا إلى توابع هجمات سلاح الجو الإسرائيلى فى إيران، قائلاً: «للأسف، خلقت هذه الهجمات مشاكل للجالية اليهودية، تضرر عدد كبير من منازل الجالية اليهودية الإيرانية، وفى أماكن عديدة، تعرّضت الجالية اليهودية الإيرانية لقصف صاروخى شامل. ستواصل الجالية اليهودية الإيرانية، كجزء من هيكل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خدمة النظام الإسلامى مع إخوانها وأخواتها تحت راية إيران».
بدوره، تحدث الحاخام الأكبر لإيران، يهودا جيرامى، عن الحرب، مشيرًا إلى أن اليهود عاشوا فى إيران لسنوات طويلة فى ظل النظام دون مشاكل. وقال: «أيها الأعضاء المحترمون فى جمهورية إيران
الإسلامية، أيها القادة الدينيون، أيها العلماء الأجلاء، أيها الشعب الإيرانى العظيم النبيل، بصفتى الحاخام الأكبر ليهود إيران، أشارك فى هذا التجمع ليس فقط للتعبير عن التضامن، بل أيضًا لأداء واجب دينى وضميرى وتاريخى. نحن فى زمن يجب فيه على كل إنسان حرّ ومؤمن أن يوضح موقفه».
وأضاف الحاخام جيرامى: «نحن يهود إيران، عشنا فى إيران لأكثر من 2700 عام، نعتبر إيران وطننا، ونعتبر أنفسنا جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من الأمة الإيرانية. وإلى جانب مواطنينا المسلمين والمسيحيين وغيرهم، نشارك هذه الأمة أفراحها ومعاناتها. واليوم، كما فى الماضى، نقف بكل إخلاص إلى جانب شعبنا ونظامنا ومبادئ بلدنا».
وصرح جيرامى، أن حكومة إسرائيل «لا تهتم باليهودية على الإطلاق»، وأشاد بالجنرال الإيرانى قاسم سليمانى، الذى قُتل فى غارة أمريكية بطائرة مسيرة، ووصفه بأنه بطل قومى.
من جانبها، ذكرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، أن سبب هذه التصريحات القوية من جانب قادة الجالية اليهودية يعود إلى الضغوط الأمنية والتحقيقات التى واجهها اليهود الإيرانيون بعد اكتشاف شبكات تجسس إسرائيلية داخل إيران.
كما أن عددًا كبيرًا من اليهود فى إيران لديهم أقارب فى إسرائيل، وهو ما يجعلهم حريصين على التواصل معهم، الأمر الذى يثير شكوك الأجهزة الأمنية أحيانًا.
بينما كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية، عن الوجه الآخر للجالية اليهودية فى إيران فى تقرير عن النشاطات الثقافية والسياسية، التى ينخرط فيها أعضاء هذه الجالية فى إسرائيل، بدءًا من إطلاق إذاعة باللغة الفارسية لمواجهة دعاية النظام الإيرانى بأن اليهود ب إيران يمثلون خطرا أمنيا عليهم، وصولاً إلى تطوير منصات اتصال تابعة للجيش الإسرائيلى للتواصل مع الشعب الإيرانى يقودها نشطاء من يهود إيران، فعلى سبيل المثال يقول بنى سبطى، أحد هؤلاء الناشطين: «أنا أقاتل النظام الإيرانى، لا الشعب الإيرانى».
وأشارت «لوموند»، إلى أن يهود إيران يعيشون حالة تمزق وتناقض ثقافى وهوياتى، فرغم ولائهم لإسرائيل، لا يزال كثيرون منهم يحملون مشاعر عاطفية عميقة تجاه إيران. وتُلخّص أورلى نَوى الصحفية والناشطة الإسرائيلية ذات الأصول الإيرانية هذا التناقض بقولها: «أنا إيرانية وإسرائيلية. والآن، بلدى يقصف بلدى».
كما صرح الإيرانيون فى لوس انجلوس لوكالة الأنباء اليهودية «جى إن إس»، أن القادة اليهود الإيرانيين الأمريكيين، لعقود من الزمن، يرفضون الإدلاء بتصريحات علنية حول النظام الإيرانى، معتقدين أن ذلك يمكن أن يؤدى إلى الانتقام من اليهود الذين لا يزالون يعيشون فى إيران .
وقال سعيد بنايان، وهو رجل أعمال يهودى إيرانى متقاعد يعيش فى لوس أنجلوس، إن العديد من اليهود فروا مؤخراً من طهران إلى مناطق أكثر هدوءاً شمال المدينة خلال الصراع، بالقرب من بحر قزوين وهى مناطق أكثر أمانا ولا توجد بها مواقع عسكرية يمكن أن تستهدفها إسرائيل .
يأتى ذلك فى الوقت الذى ذكر فيه تقرير نشرته «تايمز أوف إسرائيل»، أن وجود الجالية اليهودية فى إيران، التى يبلغ عمرها 2700 عام، مهددة بالانتهاء مع استمرار القتال.
وقال ليئور ستيرنفيلد، مؤلف كتاب «بين إيران وصهيون: التاريخ اليهودى ل إيران فى القرن العشرين» للصحيفة، إنه من المحتمل أن يواجه المجتمع اليهودى فى إيران تدقيقًا أكبر مما هو عليه عادةً، وأن هناك مخاوف بين أفراد المجتمع اليهودى هناك من أن الأمور ستزداد سوءاً ولن يظلوا يتمتعون بالأمن والحرية الدينية الكاملة.
وفى ظل استمرار التوتر بين إسرائيل وإيران، تبدو الجالية اليهودية فى إيران عالقة بين معادلة شديدة التعقيد؛ بين خوفٍ من الشكوك الأمنية داخل إيران، وروابط عائلية وثقافية تمتد إلى خارجها، حيث يحاول يهود إيران السير فوق خيط رفيع بين البقاء والأمان.
وبينما يرفع قادة الجالية شعارات الولاء للنظام الإيرانى، يبقى السؤال مطروحًا: هل هو ولاء حقيقى أم مجرد درعٍ سياسى فرضته ظروف الصراع؟ وفى ظل الحرب المتصاعدة، قد تجد هذه الجالية التاريخية نفسها أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم مستقبل وجودها فى إيران .