علي الرغم من ندرة ظهوره العلني أو توليه منصبًا سياسيًا رسميًا، كان لـ«مُجتبي» نجل الزعيم الإيراني الراحل « علي خامنئي » نفوذًا قويًا داخل دوائر الحكم في إيران ، واشتهر علي مدار السنوات الماضية، بعلاقته الوثيقة بالحرس الثوري.
وعقب مقتل المرشد الأعلي في اليوم الأول للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، برز اسم مُجتبي سريعًا لخلافة والده، وطبقًا للعديد من وسائل الإعلام العالمية، فإن المشاورات لاختيار المرشد الأعلي الجديد لم تقتصر فقط علي مجلس خبراء القيادة، طبقًا للدستور الإيراني، إذ شملت أيضًا المؤسسات السيادية، مثل الحرس الثوري ، والأجهزة الأمنية والحكومة، بالإضافة إلي هيئات مؤثرة كمجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام.
خلال المشاورات، طُرحت أسماء عديدة داخل الأوساط السياسية والدينية، كان من بينها حسن الخميني، وحسن روحاني، لكن اسم مُجتبي بقي الأكثر حضورًا في النقاشات، وبالفعل تم الإعلان عن تولي آية الله مُجتبي خامنئي منصب المرشد الأعلي في إيران، في خضم الحرب المفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وحتي هذه اللحظة، لم يعرف موقف المرشد الأعلي الجديد من الحرب التي تخوضها بلاده، أو كيفية إدارته للحكم في ظل ظروف استثنائية، وإن كانت التوقعات تذهب أنه سيكون أكثر تشددًا من والده، وحتي كتابة هذه السطور، لم يظهر في أي خطاب أو حتي كلمة مسجلة يخاطب فيها الإيرانيين، أو يعلن من خلالها ملامح المرحلة المقبلة، وطبقًا للعديد من التقارير فإن مجتبي أصيب في الضربة الإسرائيلية الأمريكية علي إيران في 28 فبراير الماضي علي مجمع عائلة خامنئي، حيث قتل والده وزوجته وابنه.
وسائل الإعلام العالمية، حاولت من جانبها مناقشة هذا الأمر علي مدار الأيام الماضية، بدءًا من الرسائل التي تريد طهران إرسالها للعالم من اختيار مُجتبي لهذا المنصب، وأبرز التحديات التي تواجهه، سواء كانت تحديات داخلية أو خارجية، واستراتيجيته في الحرب الدائرة، وغيرها من القضايا التي تحاول الكشف عن رجل الظل الذي أصبح المرشد الثالث في إيران.
«شخصية غامضة».. هكذا وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، «مُجتبي»، وذكرت أن الرجل الذي أصبح علي رأس أعلي سلطة دينية وسياسية في البلاد يوصف حتي داخل إيران بأنه شخصية غامضة، وقد ظل تأثيره لسنوات بعيدا عن الأضواء، مضيفة أن مجتبي كان شخصية نافذة في كواليس السلطة، يتولي من داخل مكتب والده تنسيق ملفات أمنية وعسكرية حساسة، مع احتفاظه بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري.
وقالت الصحيفة الأمريكية، إنه علي الرغم من نفوذ مُجتبي، إلا أنه ظل قليل الظهور في العلن، ونادرًا ما يدلي بتصريحات، مما جعل مواقفه السياسية وشخصيته الحقيقية غير معروفة خارج الدائرة الضيقة المحيطة بمكتب المرشد.
وطبقًا للصحيفة، فإن مجتبي يوصف من قبل المحللين بأنه «الرجل الذي حكم من خلف الستار»، حيث أدي دورًا مؤثرًا في إدارة شئون الدولة دون أن يشغل منصبًا رسميًا بارزًا، ويبلغ عمر المرشد الجديد 56 عامًا، ويحمل لقب «آية الله»، وقد اشتهر بتقديم دروس دينية في الحوزات الشيعية، لكن صعوده إلي قمة هرم السلطة أثار جدلًا، إذ يري منتقدون أن انتقال المنصب من الأب إلي الابن يفتح الباب أمام شبهة التوريث في نظام نشأ أصلًا بعد الثورة الإيرانية 1979 التي تعهدت بإنهاء الحكم الوراثي.
ونقلت الصحيفة، عن «مهدي رحمتي» المحلل السياسي قوله، أن مجتبي هو الخيار الأمثل في الوقت الراهن، لأنه علي دراية تامة بإدارة وتنسيق الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكان مسئولًا عن ذلك سابقًا، لكنه أشار إلي خطر زيادة الاستقطاب في مجتمع منقسم بشدة، إذ قد يكون رد جزء من الجمهور سلبيًا وقويًا، مع عواقب وخيمة محتملة.
في السياق ذاته، ذكرت صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، أن اختيار مجتبي مرشدًا ثالثًا يشير إلي استمرارية السياسات المتشددة لإيران، مضيفة أن هذا الاختيار يُنظر إليه علي أنه تحدي للحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإسرائيل ضد إيران، ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم، إن إعلان خامنئي مرشدًا أعلي ثالثًا للجمهورية الإيرانية يعد مؤشرًا علي أن إيران ستواصل المقاومة.
وفي هذا الصدد، قالت «سنام وكيل» مديرة قسم الشرق الأوسط في مؤسسة «تشاتام هاوس» بلندن: «هذه إشارة إلي أن النظام بشكله الحالي لا يميل إلي المساومة، وأنه يعتزم المقاومة مهما كلف الأمر»، ولم تختلف صحيفة «تليجراف» البريطانية كثيرًا، إذ اعتبرت تعيين مجتبي رسالة تحدٍّ واضحة لواشنطن، ويعكس تمسك النظام بخيار المواجهة.
من جهتها، رأت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، أن اختيار مجتبي خامنئي خلفًا لوالده، يبعث برسالة تحد مفادها أن النظام لا يزال قائمًا، مرجحةً أن يكون مجتبي مجرد «واجهة»، بخلاف والده الذي كانت له الكلمة الأخيرة، مضيفة أن هذا الاختيار يعكس مدي سيطرة الحرس الثوري الإيراني علي مفاصل السلطة في إيران.
وقالت المجلة إن اختيار مجتبي قد يحبط الإصلاحيين الذين كانوا يأملون أن يقع الاختيار علي أحدهم، كما قد يخيب آمال عدد من رجال الدين، مشيرة إلي أن توريث السلطة في نظام يفترض أنه ثيوقراطي لن يكون مقبولاً لدي من لا يزالون يؤمنون بمبادئ الثورة التي أطاحت بالحكم الملكي للشاه.
وربما كانت هذه الخلافات سببًا في استغراق عملية اختيار المرشد الجديد هذا الوقت، مرجحةً أن يبقي مجتبي بعيدًا عن الأنظار وفي مواقع محصنة تحت الأرض، خشية أن يلقي مصير والده، بعدما توعدت إسرائيل المرشد الجديد أياً كان.
صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، استهلت مقالها عن مجتبي بمقارنته بسلفيه، والده خامنئي والخميني، وقالت إنه لا يملك خبرة والده في الحكم ولا علم الخميني في أمور الدين، واعتبرت الصحيفة أن اختيار مجتبي مرشدًا أعلي للبلاد بعد والده يُعيد المَلكية إلي إيران، إذ يتناقض ذلك مع فكرة الثورة التي قادها الخميني ضد الحكم الملكي في إيران، الذي يقوم علي نظام الخلافة الأسرية.
وعن أبرز التحديات التي يواجهها مجتبي، ذكر تقرير للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أن مجتبي قد يواجه أزمة شرعية مزدوجة؛ فهو لا يمتلك الكاريزما الدينية لوالده، ويُوصم بكونه وريثًا ملكيًا في نظام جمهوري، هذا الضعف قد يدفعه للاعتماد الكلي علي قبضة الحرس الثوري.