فى ليلة من ليالى رمضان ، وتحت أضواء حفل إفطار الأسرة المصرية ، لم يكن المشهد تقليد سنوى يجمع أطياف المجتمع على مائدة واحدة، كان المشهد فى جوهره «مكاشفة» اختارها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ليضع النقاط على الحروف فى لحظة إقليمية ودولية هى الأكثر تعقيداً وسيولة منذ عقود.
تحدث الرئيس بلغة الأرقام، ودون تجميل، عن حجم التحديات التى تفرضها الصراعات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب الإيرانية وتأثيرها المباشر على أمن الطاقة والملاحة، وما يتبع ذلك من ضغوط معيشية.
لكن، خلف هذه الصراحة الرئاسية المعهودة، يبرز سؤال جوهرى بات يتردد بكثرة فى الشارع : لماذا يبدو الرئيس وحيداً فى «ميدان المكاشفة»؟ ولماذا تصر الحكومة، بأجهزتها ووزاراتها المتعددة، على ممارسة دور «المبرر المتأخر»، بدلاً من أن تتبنى فلسفة الشفافية التى يطالب بها رأس الدولة كمنهج عمل يومي؟.
إن الفجوة بين لغة الرئيس التي تتسم بالصدق والمكاشفة، ولغة الحكومة المتحفظة ، باتت تشكل حاجزا أمام بناء وعى جمعى صلب يمكنه تحمل تبعات الإصلاح الاقتصادى بوعى واقتناع.
يعتمد الرئيس السيسي منذ توليه المسئولية استراتيجية «المكاشفة »، لأنه يعلم يقيناً أن حجم الفجوة بين الموارد المتاحة والطموحات القومية فى مصر لا يمكن جسره بالوعود الوردية أو المسكنات المؤقتة التى استنزفت مقدرات الدولة لعقود، لذا، يذهب دائمًا إلى المنطقة الصعبة، يتحدث عن تكلفة دعم رغيف الخبز بـ «قرش الصاغ»، وعن عبء استيراد المحروقات بالدولار فى ظل قفزات الأسعار العالمية التى تسببت فيها حرب أوكرانيا ثم توترات الشرق الأوسط، وعن «فاتورة الاستقرار» التى تدفعها الدولة وسط إقليم مضطرب يحترق من حولنا.
الهدف من هذه الفلسفة ليس إحباط الناس، بل «تحصينهم»، فالإنسان المصرى بطبعه حمال صعاب ، لكنه يحتاج أولاً إلى أن «يعرف» لكى «يتحمل»، عندما يدرك المواطن حجم المؤثرات الخارجية التى تضغط على رغيف الخبز وأنبوبة البوتجاز، يتحول من موقف «الساخط» ، إلى موقف «المتفهم والمشارك» الذى يدرك أن بلده يخوض معركة بقاء وسط أمواج متلاطمة.
الرئيس يراهن هنا على «الوعي» كخط دفاع أول، ويؤمن أن الصدق والمصارحة أقصر الطرق.
على الجانب الآخر من المشهد، نجد أداءً حكومياً لا يزال إلى حد بعيد ، أسيراً لمدرسة قديمة فى الإدارة الإعلامية والسياسية، وهى مدرسة «الصمت حتى تنفجر الأزمة»، ثم «التبرير» بعد فوات الأوان، لقد طلب الرئيس مراراً من الوزراء والمسئولين الخروج للناس، شرح التحديات قبل اتخاذ القرار، تبرير القرارات الصعبة بتقديم بدائلها، لكن ما يحدث على الأرض غالباً ما يكون مغايراً.
تفتقد الغالبية العظمى من الوزارات لما يسمى بـ «التواصل الاستباقى»، على سبيل المثال أزمة أسعار الوقود والكهرباء الأخيرة، فبينما كان الرئيس يشرح فى خطاباته الأبعاد الجيوسياسية لتأثر إمدادات الطاقة بسبب التوترات الإقليمية وتعطل سلاسل التوريد، كانت الوزارات المعنية تكتفى ببيانات جافة تعلن الزيادات السعرية، دون تقديم سياق تفصيلى يشرح للمواطن: كم تتحمل الدولة من فارق السعر؟ وما هو البديل لو لم يتم تحريك الأسعار؟ وكيف سيؤثر ذلك على جودة الخدمة؟
هذا «الصمت الحكومى» يترك فراغاً شاسعاً تملؤه فوراً شائعات منصات التواصل الاجتماعى ومحاولات التشكيك الممنهجة، إن الحكومة، بتبنيها هذا المنطق، تضيع فرصة بناء اصطفاف وطنى حقيقي، فالشفافية ليست مجرد «نشر أرقام»، بل هى «صناعة اقتناع»، وهو ما يبدو أن الجهاز الإدارى للدولة لا يزال يتعثر فى تحقيقه.
الشفافية التى يطالب بها الرئيس ليست ترفاً، بل هى ضرورة أمن قومى حتمية، مع التأكيد على أن هناك بيانات ومعلومات لا تقال، نحن نعيش فى عصر «الحروب الهجينة» حيث المعلومة المضللة قد تسبب من دمار أكثر مما تسببه الصواريخ.
عندما يعرف المواطن، عبر لغة صريحة ومباشرة من حكومته، أن انقطاع التيار الكهربائى أو غلاء بعض السلع هو نتيجة مباشرة لخسائر قناة السويس التى فقدت جزءاً كبيراً من دخلها بسبب أحداث البحر الأحمر، أو بسبب ارتفاع سعر برميل النفط عالمياً نتيجة التهديدات المتبادلة فى منطقة الخليج، فإنه يبدأ فى رؤية الصورة الكبيرة.
إن تقديم «الحقيقة المجردة» يقطع الطريق على المتربصين، لكن الحقيقة تحتاج إلى «حوامل» تنقلها بكفاءة، تحتاج إلى وزراء يمتلكون «كاريزما» المواجهة التلفزيونية والقدرة على شرح المعقد بلغة بسيطة، وإلى محافظين يتواجدون فى الشوارع والأسواق لامتصاص غضب الناس وتوضيح الحقائق قبل فرض العقوبات، وإلى جهاز إعلامى محترف لا يكتفى بترديد كلمات الرئيس، بل يفككها ويشرح خلفياتها بالأرقام والرسوم البيانية والمقارنات الدولية.
المواطن يريد أن يعرف أن معاناته ليست نتاج «نسيان» من الدولة، بل نتاج «تحدٍ» مفروض علينا جميعاً.
لا يمكن لأحد، مهما كان منحازاً، أن ينكر أن إجراءات الإصلاح الاقتصادى صعبة، وأن الضغوط التضخمية قد بلغت مستويات أرهقت كاهل المواطن، ولكن، الأخطر من الغلاء نفسه هو شعور «عدم اليقين»، المواطن المصري، بتاريخه الطويل من الصمود، يستطيع أن يتحمل الصعاب إذا عرف ثلاثة أشياء: «لماذا نعاني؟»، «إلى أين نحن ذاهبون؟»، و«متى نصل؟».
فى حفل إفطار الأسرة المصرية، قدم السيد الرئيس «خارطة طريق» نفسية ومعلوماتية، شرح الأسباب وطلب الصبر المرتكز على الفهم، لذا يجب ان يتوازى مع ذلك خطة من الحكومة تترجم هذه الكلمات إلى أفعال ملموسة.
الشفافية تعنى أيضاً أن تعترف الحكومة بوجود قصور فى أدوات الرقابة على الأسواق، وأن تضع المواطن فى قلب عملية الرقابة، الصدق يقتضى القول: «نحن نواجه أزمة عالمية، ولدينا أخطاء داخلية نحاول إصلاحها بهذا الشكل»، عندها سيقدر المواطن هذه الصراحة ويقف خلفها.
إن النهج الذى يتبعه الرئيس يكسر فكرة «الوصاية» الحكومية على الشعب، حيث كانت الحكومات القديمة تظن أن إخفاء الحقائق عن الناس «رحمة» بهم، بينما الحقيقة أن الجهل بالواقع يضعف الثقة، الشفافية التى نرجوها من الحكومة يجب أن تتحول من «رد فعل» إلى «فعل مستمر».
يجب أن نرى الوزراء فى مؤتمرات صحفية دورية (أسبوعية أو شهرية)، لا ليعلنوا عن افتتاحات فقط، بل ليتحدثوا عن «المشكلات»، أن يخرج مثلا وزير المالية ليقول: «لدينا عجز فى هذا البند بسبب كذا، وسنعالجه بكذا»، وأن يخرج وزير البترول ليوضح تذبذب أسعار الطاقة العالمية وتأثيرها المباشر على الموازنة، هذه المشاركة فى المعلومة تخلق نوعاً من «المسئولية الجماعية».
المواطن الذى يعرف أن دولته تدفع مليارات إضافية لتوفير السلع الأساسية بسبب حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، سيكون أول من يحارب الهدر وأول من يترشد فى الاستهلاك، لأنه سيشعر أن هذه المليارات هى ماله الخاص وضياعها خسارة له ولأبنائه.
لا يمكن فصل الداخل عن الخارج فى ظل الأوضاع الراهنة، الحرب الإيرانية وتداعياته، والحرب فى غزة، والتوترات فى السودان وليبيا، كلها ملفات تضغط على الاقتصاد المصرى بشكل مباشر، والرئيس كان واضحاً فى أن مصر تدفع ضريبة جغرافيتها ومواقفها القومية، وهنا تكمن أهمية الشفافية، فهى الوسيلة الوحيدة لتحويل «الضغط الخارجي» إلى «تماسك داخلى».
عندما تكون الحكومة صريحة بشأن تأثير هذه الأزمات، فإنها تغلق الأبواب أمام محاولات «الاختراق الفكري» التى تحاول إقناع المواطن بأن أزمته سببها «فشل الدولة» وليس «ظروف المنطقة»، إن المصارحة هى «اللقاح» ضد فيروسات الإحباط واليأس، والهدف الأسمى من وراء ذلك هو بناء «مجتمع واع» لا تهزه ريح الشائعات ولا تكسره أمواج الغلاء، لأنه يعرف الحقيقة، والحقيقة دائماً تحرر الإنسان من الخوف.
.. ويبقى فى النهاية، الرهان دائماً وأبداً على معدن هذا الشعب المصرى الأصيل، هذا الشعب الذى عبر أزمات تاريخية كبرى بصبره الفطرى وإيمانه بدولته، لكن هذا الصبر هو رصيد يحتاج إلى تغذية دائمة بـ «الحقيقة».
إن دعوة الرئيس السيسي للحكومة تبنى نهج الشفافية هى دعوة لدعم وتقوية وتحصين الجبهة الداخلية من وطأة الضغوط، فالحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل أفضل من «الصمت» الذى يفتح الباب للتأويل والفتنة.
إن لغة «البيانات الجافة» لم تعد تجدى، وأن الصدق والمكاشفة هما العملة الوحيدة التى لا تفقد قيمتها مهما ارتفعت الأسعار أو اشتعلت الأزمات.
لقد وضع الرئيس «المنهج» فى إفطار الأسرة المصرية، وعلى الجهاز التنفيذى الآن تطبيق هذا المنهج، فمصر لا تواجه تحدياتها بالمال والعتاد فقط، بل بوعى شعب يعرف حقيقة ما يجرى، ويقرر بملء إرادته وقوة عزيمته أن يقف بصلابة مع دولته، متحملاً الصعاب، حتى تعبر السفينة إلى بر الأمان.
إنها معركة وعي، والوعى لا يُبنى إلا بنور الحقيقة، فهل تستجيب الحكومة وتفتح النوافذ.