هو واحد من أعلام الإسلام، الذين بذلوا الجهد، من أجل تفسير آيات القرآن الكريم، بالإضافة للتبحر فى شتى أنواع العلوم، حيث ترك للمكتبة الإسلامية ثروة أدبية عظيمة، فى مجالات التفسير وعلوم القرآن والفقه والتاريخ واللغة، واسمه هو «على بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد السخاوى الشافعي »، ولِد ببلدة «سخا» الواقعة حاليًا بمحافظة «كفر الشيخ»، ويرجع نسبة لقبيلة «همدان» العربية.
علامة زمانه الإمام «علم الدين السخاوي »
بدأ رحلته فى طلب العلم بتعلم القراءة والكتابة فى كُتاب بلدته، ثم حفظ القرآن الكريم ، وفى عام 572 هجرية سافر إلى الإسكندرية، حيث لازم الشيخ "أبو الطاهر بن عوف المالكي"، ثم انتقل إلى القاهرة ولازم الشيخ أبو القاسم الشاطبى وأبو طاهر السلفى وأبو القاسم البوصيرى وغيرهم، ومن القاهرة انتقل علم الدين السخاوى إلى دمشق وأقام فيها، ومنها سافر لأداء فريضة الحج عام 598 هجرية.
لم يكتف "علم الدين السخاوي" خلال فترة تعلمه بمجرد التلقى، بل كان يعمل على نقل ما يتعلمه للآخرين، وكانت البداية من القاهرة حيث سكن «السخاوي » جامع القرافة وأم الناس و درّس لهم، وعندما انتقل إلى دمشق اشتهر بين أهلها بعلمه، حتى إن العلامة «شمس إبن خلكان» وصف حلقة السخاوى بأنها كانت شديدة الزحام، وقد بقى «علم الدين السخاوي » فى دمشق حتى وفاته فى 643 هجرية، عن عمر ناهز التسعين عامًا.
ترك «علم الدين السخاوي » العديد من المؤلفات، فى كثير من العلوم مثل التفسير والقراءات واللغة، ومنها «التبصرة فى صفات الحروف»، «أحكام المد فى التجويد»، «تحفة الناسك فى معرفة المناسك»، «جمال القراءة وكمال الإقراء»، وقد تتلمذ على يديه العديد من التلاميذ، مثل «علي بن عبد السيد القوصي» و«العز محمد بن الخيسي» و«المنتجب بن أبى العز» وغيرهم.
ويذكر الفقيه «أبو شامة المقدسى» أن جنازة «السخاوي» خرجت من جامع دمشق إلى جبل «قاسيون»، حيث دًفن هناك، وبوفاته فقد الناس علمًا كثيرًا.
صاحب التصانيف
هو «المنتجب بن أبى العز بن رشيد الهمزانى»، وصفه كثير من المؤرخين بأنه كان قرينًا للشيخ «علم الدين السخاوى»، ولِد بمدينة «همزان» سنة 558 هـ، ونشأ فى بيئة علمية دفعت به للترحال طلباً لعلوم القرآن، حتى استقر به المقام فى دمشق التى غدت موطنه العلمى الأبرز.
تلقى «المنتجب» أصول القراءات والنحو على يد أكابر علماء عصره، وفى مقدمتهم الإمام «علم الدين السخاوى»، فأخذ عنه علم القراءات والمنظومة الشاطبية شرحاً وأداءً، كما تتلمذ على يد شيخ الشام «تاج الدين الكندى»، وأخذ علوم اللغة عن «ابن برى التازى»، مما أصقل ملكته فى الجمع بين الأداء الصوتى والتحليل اللغوى.
عُرف «المنتجب» بكونه إماماً محققاً وشيخاً لقرّاء دمشق فى الجامع الأموى، وقد تخرج على يديه جيل من كبار العلماء الذين حملوا لواء العلم من بعده، من أبرزهم الإمام «النووى»، الذى أخذ عنه جانباً من علوم اللغة، والشيخ «زين الدين الزواوى»، والعلامة «ابن الجعبرى».
ولم تكن مكانة المنتجب تقتصر على التدريس فحسب، بل تجلت عبقريته فى مصنفه الشهير «الدر الفريد وجامع القصيد»، وهو شرح موسوعى للشاطبية، وقد امتاز فيه بقدرة فائقة على توجيه القراءات نحواً ولغةً، مما جعله مرجعاً لا يستغنى عنه المتخصصون فى علوم القرآن.
استمر المنتجب فى عطائه العلمى والتعليمى بدمشق، حتى وافته المنية فى شهر ذى القعدة سنة 643 هـ. وقد رثاه المؤرخون ووصفه الإمام الذهبى بالعلامة المحقق وصاحب التصانيف، ليبقى إرثه المتمثل فى شروحه وتلاميذه شاهداً على حقبة ازدهرت فيها المدرسة الشامية فى القراءات بفضل جهوده وجهود شيوخه.