صعود عُمان 19 مرتبة في مؤشر الحرية الاقتصادية.. الدلالات والمعاني

صعود عُمان 19 مرتبة في مؤشر الحرية الاقتصادية.. الدلالات والمعاني البنك المركزي العُماني

عرب وعالم25-3-2026 | 10:57

يحمل صعود سلطنة عُمان 19 مرتبة في مؤشر الحرية الاقتصادية دلالة تتجاوز الترتيب نفسه؛ فهو يعكس مسارا اقتصاديا أخذ يتشكل بثبات خلال السنوات الأخيرة، ويعبّر عن قدرة الدولة على تحويل الإصلاحات المالية والإدارية إلى نتائج قابلة للقياس.
فالوصول إلى المرتبة 39 عالميا بعد أن كانت عُمان في المرتبة 58 قبل عام واحد فقط، يكشف تحولا ملموسا في الطريقة التي يُنظر بها إلى الاقتصاد العُماني. والمؤشرات الدولية، على ما فيها من حدود منهجية معروفة، تظل ذات أهمية لأنها تقدم صورة مركبة عن البيئة الاقتصادية، وعن مدى كفاءة السياسات العامة، وعن قدرة الاقتصاد على التقدم في مجالات ترتبط بالثقة والاستقرار والانفتاح وجاذبية الاستثمار.
يرتبط هذا الصعود في عُمان، بتحسن بنيوي في عدد من الجوانب المهمة، وفي مقدمتها الصحة المالية. فهذا الجانب تحديدا يعكس نجاح سلطنة عمان في تحسين مؤشرات الدين العام، وتعزيز الانضباط المالي، وتحقيق فائض في الميزانية العامة. وهذه تطورات تكتسب أهمية مضاعفة في عالم يتسم بارتفاع مستويات الدين، واتساع العجوزات، وتزايد الضغوط على المالية العامة في كثير من الاقتصادات.
كما تعكس هذه النتائج معنى أعمق يتمثل في أن الاقتصاد العُماني أصبح أكثر قدرة على إدارة توازناته، وأكثر جاهزية لطمأنة المستثمر، وأكثر قدرة على بناء سمعة اقتصادية تستند إلى الاستقرار والكفاءة. وهذه العناصر تزداد أهميتها في وقت تبحث فيه الأسواق عن البيئات الأقل مخاطرة والأكثر وضوحا في السياسات والتوجهات.
كما أن ما تحقق في مؤشرات مثل حرية التجارة، والإنفاق الحكومي، والعبء الضريبي، وحرية الاستثمار، يمنح صورة إيجابية عن اتساع قاعدة التحسن. وهذا مهم لأن الاقتصاد الحديث يتقدم عبر تراكم خطوات متناسقة تعزز مناخ الأعمال، وتدعم الثقة، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص ليؤدي دورا أكبر في النمو والتشغيل والتنويع.
يعكس هذا التقدم نضجا متزايدا في النهج الاقتصادي العُماني، حيث بدأت الإصلاحات تتجاوز إطار المعالجة الظرفية، وتتجه نحو بناء قاعدة أكثر صلابة للاستقرار والثقة والنمو. وتحسن المؤشرات المرتبطة بالاستقرار المالي والانفتاح الاقتصادي يوسع من قدرة الدولة على التحرك بثقة في تنفيذ مستهدفات رؤية عُمان 2040، خصوصا فيما يتعلق بجذب الاستثمارات، وتمكين القطاع الخاص، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني.
ويمنح هذا الصعود الاقتصاد العُماني رصيدا معنويا ومؤسسيا في لحظة إقليمية ودولية تتسم بكثرة الشكوك والتقلبات. وتكمن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز في التعامل معه بوصفه خطوة متقدمة في مسار مستمر. فالمؤشرات الدولية تكتسب معناها الأكبر حين تكون دافعا لمواصلة البناء على ما تحقق، وتعميق مكامن القوة، وتوسيع آثار الإصلاح في مختلف القطاعات. وبهذا الفهم، تزداد أهمية ما أُنجز، لأن الاقتصادات التي تتقدم بثبات تنظر إلى نجاحاتها بوصفها أساسا لنجاحات أوسع.
بهذا المعنى، فإن صعود عُمان في مؤشر الحرية الاقتصادية يشير بوضوح إلى أن السياسات التي اتُّخذت بدأت تؤتي ثمارها، وأن الاقتصاد العُماني يمضي في اتجاه يمنحه مزيدا من الثقة والقدرة التنافسية. وما يحتاجه هذا المسار الآن هو مواصلة البناء بالروح نفسها؛ روح الإصلاح الهادئ، والعمل المؤسسي، والنظر إلى المؤشرات باعتبارها شاهدا على مسار اقتصادي يزداد رسوخا واتساعا.
والواقع أن هذا الصعود العُماني لم يأت من فراغ، فرغم البيئة الحافلة بالمتغيرات والتحديات بدءا من تبعات أزمة الجائحة وحتى سياسات التشدد النقدي ورفع الفائدة المصرفية، وتصاعد التوترات الجيوسياسة والتجارية العالمية, يظل القطاع المصرفي العماني محافظا على مؤشرات جيدة للسلامة المصرفية وجودة الأصول مما يعزز صلابته في مواجهة الصدمات والأزمات.
وتشير بيانات البنك المركزي العماني إلى ان نسبة رأس المال والاحتياطيات إلى اجمالي الودائع لدى البنوك التجارية بلغت 22.9 بالمائة بنهاية اكتوبر 2025, فيما استقرت المخصصات والفوائد المحتجزة عند نسبة 5.9 بالمائة من إجمالي الائتمان مما يشير لمعدل منخفض من القروض المتعثرة, كما ارتفعت نسبة الموجودات الأجنبية لدى البنوك إلى إجمالي المطلوبات لتبلغ 12.2 بالمائة. واستمرت أحجام السيولة في النظام المالي عند مستويات جيدة ومواتية لتسهيل توفير الائتمان للقطاعات الإنتاجية خاصة مع تخفيف سياسات التشدد النقدي وبدء خفض الفائدة المصرفية تماشيا مع سياسات الاحتياطي الفيدرالي وفق سياسة الارتباط بين الريال العماني والدولار.
وفي أحدث التقارير حول القطاع المصرفي العماني, كان صندوق النقد الدولي قد أشاد بالتقدم المحرز في إصلاحات القطاع المالي مشيرا إلى ما أكدته نتائج تقييم استقرار القطاع المالي من قوة رسملة الجهاز المصرفي وقدرته على الصمود في مواجهة الصدمات بوجه عام, كما أشار تقرير البنك المركزي العماني حول استقرار الاقتصاد الكلي إلى أن الأوضاع النقدية والمالية ظلت داعمة بشكل عام لاستقرار الأسعار وأسعار الصرف، وظل القطاع المصرفي يتمتع بالمرونة مدعوما بمستويات جيدة من رؤوس الأموال، والأصول ذات الجودة العالية، وإطار تنظيمي وإشرافي متين.
وفي إطار البرامج الوطنية المسرعة لتنفيذ مستهدفات رؤية عمان وخططها التنموية الخمسية, يركز البرنامج الوطني "استدامة" على تطوير سوق رأس المال والقطاع المصرفي والمالي, بهدف تعميق أسواق رأس المال وتذليل المعوقات التي تحد من تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والقطاع الخاص, ومع تطور تشريعي في كافة الجوانب ذات العلاقة بالاستثمار, ساهمت التطورات التنظيمية والتشريعية في تعزيز ثقة المودعين ودعم استقرار النظام المالي, حيث تم إصدار القانون المصرفي والنظام الأساسي للبنك المركزي العماني وتحديث قانون حماية الودائع المصرفية مما يتيح استجابة فعالة وفي الوقت المناسب للتغيرات المتسارعة في المشهد المالي ويضمن مواكبة القطاع المالي لهذه المتغيرات وتوافقه مع أفضل الممارسات الدولية, وفي بداية العام الجاري, أصدر البنك المركزي العماني الإطار التنظيمي لإدارة استمرارية الأعمال كجزء من منظومة إدارة المخاطر والرقابة وفق المعايير الدولية, والتزام البنوك والمؤسسات المالية بتطبيق أفضل الممارسات الدولية لضمان سير العمليات الحيوية، وحماية العملاء، والتحوط ضد المخاطر التشغيلية، مع التركيز على استقرار النظام المالي الرقمي. ويهدف الاطار لتقديم إرشادات رقابية وتحديد توقعات واضحة بشأن إنشاء وتنفيذ والحفاظ على قدرات فعالة لإدارة استمرارية الأعمال لدى المؤسسات المرخصة لضمان تمتع المؤسسات المرخصة بالمرونة التشغيلية، وقدرتها على تحمل الاضطرابات والتعافي منها والاستمرار في تقديم الخدمات المالية الحيوية، بما يدعم الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي المستدام. ووجه المركزي المصارف وشركات التمويل والتأجير التمويلي بإعداد واعتماد إطار إدارة استمرارية الأعمال الخاص بها بما يتوافق مع هذا الإطار في موعد أقصاه 30 يونيو 2026.
وتأتي أهمية الإطار التنظيمي لاستمرارية الأعمال بالبنك المركزي من ان استقرار وسلامة النظامين المصرفي والمالي يعتمدان على قدرة المؤسسات المرخصة على مواصلة تقديم الخدمات المالية الأساسية عند حدوث أي عطل. وفي ظل بيئة يشهد فيها القطاع المالي زيادة في استخدام التقنيات الرقمية، وتشابك العمليات التشغيلية، وارتفاع التهديدات السيبرانية، وتغير أساليب العمل نتيجة الأوبئة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالمناخ والاعتماد المتزايد على مقدمي الخدمات من طرف ثالث، فإن أي اضطرابات تشغيلية قد تتسبب في أضرار كبيرة للعملاء، وتؤثر سلبا على الثقة في النظام المالي، وتشكل مخاطر على الاستقرار المالي, حيث تعمل المؤسسات المرخصة في السلطنة في بيئة تشغيلية تزداد تعقيدا، ويصاحبها توسع في التحول الرقمي، واعتماد متزايد على البنى التحتية المالية المشتركة والاستعانة بخدمات الإسناد الخارجي ومقدمي الخدمات من طرف ثالث، بما في ذلك الخدمات السحابية.
وفي الوقت نفسه تواجه المؤسسات المرخصة مجموعة واسعة من مخاطر الاضطرابات التشغيلية من بينها الحوادث السيبرانية, وانقطاعات الأنظمة التقنية والحوادث المادية، وتعطل الأطراف الثالثة والسيناريوهات التي قد تشهد تعطل أكثر من عنصر في وقت واحد، إضافة إلى التطورات الجيوسياسية والاضطرابات الناتجة عن الأوبئة، والمخاطر المرتبطة بالمناخ وتبرز هذه التطورات الحاجة إلى اعتماد نهج لإدارة استمرارية الأعمال يركز على الخدمات ويغطي عملية تقديم الخدمة من بدايتها إلى نهايتها، بدلا من الاكتفاء باستعادة الأنظمة الفردية وبما يعزز مرونة الخدمات التشغيلية المهمة ككل.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان