ذهب ذهب .. حالة عجب !

ذهب ذهب .. حالة عجب !الذهب

كنوز أكتوبر29-3-2026 | 14:39

« أسعار الذهب في صعود وهبوط تتقلب كل يوم بل كل عدة ساعات »..
هذه العبارة تبدو وكأنها مكتوبة في وقتنا هذا والحقيقة أنها مقدمة لموضوع كتبته الأستاذة نفيسة عابد عن أسعار الذهب وعلاقته بالسياسة و الاقتصاد منذ 46 عاما .
إن ما يحدث للذهب الآن يؤكد ما يقال إن الاقتصاد والسياسة جوادان يجران عربة واحدة فلا يمكن الحديث عن مشاكل الذهب دون التعرض لبعض المشاكل السياسية.. ففى عالمنا الحاضر تتداخل المشكلات السياسية مع المشكلات الاقتصادية.
وقبل الحرب العالمية الأولى كان الذهب هو العملة النقدية المحلية المستعملة فى أكثر بلاد العالم مما جعله بالتالى نقدًا دوليًا.. وكان يمثل العنصر الأساسى فى تسوية المدفوعات الدولية، وعندما اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى علق نظام النقد الذهبى واختير نظام النقد الورقى.. وفى فترة ما بين الحربين كان الذهب يؤلف نسبة 91 % من تكوين الأرصدة النقدية الدولية وتراجع فى عام 1986 إلى نسبة ٥٣% فقط بينما ارتفعت نسبة العملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار من 9 % إلى 38 % فى نفس الفترة.
والارتفاع والانخفاض الشديدان فى أسعار الذهب حاليًا يرجعان جزئيًا إلى تنحى الذهب عن مكانته السابقة فعندما كان الذهب يلعب دور القاعدة الذهبية النقدية كان سعره ثابتا لأنه كان بمثابة المقياس والمقياس لابد وأن يكون ثابتا ولا يصلح لأعمال المضاربة، وقد تمتع الذهب بنوع من الاستقرار من عام 1952 إلى عام 1986 نتيجة احتفاظه بدوره النقدى، وكانت الولايات المتحدة قد ثبتت سعره بسعر موحد هو 35 دولارًا للأوقية.
ولا يمكن الحديث عن أسعار الذهب دون المساس بالسياسة الأمريكية والدولار.. فبعد الحرب العالمية الثانية خرجت الدول الأوروبية منهوكة القوى واقتصاديات بعضها تكاد تصل إلى الصفر بينما بقى الاقتصاد الأمريكى سليمًا، ووضحت حاجة العالم إلى المنتجات الأمريكية وإلى الدولار الأمريكى وكان الدولار الأمريكى يتمتع بقوة الغطاء الاقتصادى أى كمية وأنواع السلع والخدمات التى يمكن الحصول عليها بالدولار وتمتعت الأسعار فى الولايات المتحدة بنوع من الثبات، كل هذه الأسباب إلى جانب إمكانية تبديل الدولار ذهبا حسب السعر الذي حددته الولايات المتحدة وهو -35 دولارًا للأوقية - جعل الدولار يحتل مكانة العملة النقدية الأولى فى العالم.
ومنذ عام 1946 إلى عام 1960 كان الدولار مغطيا بالذهب بنسبه تزيد على 100 % ونشرت السياسة الأمريكية شعار «الدولار جيد» كالذهب وأصبح الاقتصاد الأمريكى وبالتالى السياسة الأمريكية تتحكم فى كثير من بلدان العالم وزادت أرصدة الدولارات فى الخارج كما كانت ترمى السياسة الأمريكية للسيطرة عن طريق الاقتصاد.
وفى أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات تعرض العالم للعديد من الأزمات النقدية، وفقد الدولار جزءًا من هيبته الاقتصادية وبدأ الطلب يزداد على الذهب الذى بدأ سعره يرتفع وتم إنشاء مجمع الذهب 1960 فى مدينة «بال» كمحاولة ظاهرية لتثبيت سعر الذهب ولكن السبب الحقيقى كان محاولة دعم الدولار الأمريكى الذى بدأ يهتز.
وتتعاقب الأزمات النقدية وتنخفض قيمة الجنيه الإسترلينى والفرنك الفرنسى ويعوم المارك الألمانى وينخفض الدولار عدة مرات والسبب الرئيسى لكل هذه الهزات هو القتال السياسى الدائر بين أوروبا الغربية وأمريكا، وقد لعب الجنرال ديجول دورًا سياسيًا بارزًا فى هذا الصراع ويمكن القول بأنه كان يلعب دور القائد فى هذه المعركة السياسية الاقتصادية ولا يزال العالم يذكر مؤتمره الصحفى فى ١٤ فبراير ١٩٦٥، لقد أراد الجنرال ديجول أن يعيد للذهب أهميته فى عالم النقد وبالتالى يتم الاستغناء عن الدولار ويتقلص نفوذ أمريكا فى أوروبا وبالتالى ينسحب من فوق بقاع كثيرة فى باقي القارات.
ويصل الصراع إلى القمه فيلغي مجمع الذهب فى ١٨ مارس ١٩٦٨ ويتم إنشاء سوق حرة للذهب إلى جانب السوق الرسمية، وأصبح العالم يعرف أن للذهب سعرين أحدهما هو السعر الرسمى وهو ٣٠ دولارًا للأوقية والثانى هو سعر العرض والطلب.
وتستمر حرب الذهب والدولار تتحرك أسعارهما صعودًا وهبوطًا حسب الأحداث السياسية حتى تتعرض الولايات المتحدة لأزمة شديدة فى أسواق الدولار فتقوم عام ١٩٧١ بإلغاء عملية تبديل الدولار ذهبًا.. أى إعلان انتهاء دور الذهب فى القاعدة النقدية العالمية.. وترتفع أسعار الذهب ارتفاعًا شديدًا بالنسبة لذلك الوقت وتصل إلى ٤٣ دولارًا للأوقية.. وبعد إلغاء تبديل الدولار ذهبا وارتفاع أسعار الذهب فإننا نتساءل هل ارتفاع سعر الذهب حقيقة أمأن النقود الورقية فقدت أهميتها؟
والحقيقة أن العملات الورقية النقدية المحلية لا تستطيع الاستمرار فى أن تصبح نقدًا دوليًا.. إن أهم مواصفات النقد الدولى الاستمرار وثبات القيمة والنقد الورقى المحلى فشل فى أن يستمر استقراره طويلا حتى الآن فمثلا الجنيه الإسترلينى كان العنصر الأساسى فى السيولة النقدية الدولية حتى عام ١٩١٤ لأن لندن كانت تلعب دورًا رئيسيًا فى التجارة الدولية وكانت أيضًا مركزًا للمواد الأولية الرئيسية والمعادن الثمينة ولكن الجنيه الإسترلينى لم يستطع الثبات بعد الحرب فذهبت دولته.
أما الذهب فله شأن آخر فهو ليس عملة نقدية فقط ولكنه أيضا سلعة أولية والطلب عليه يمكن تقسيمه إلى ذهب نقد وذهب الاكتناز ثم الطلب على الذهب كسلعة أولية تستخدم الآن فى مجال الصناعات الدقيقة والحساسة والصناعات الإلكترونية.
وقبل عام ١٩٦٦ كان هناك فائض من الذهب يزيد على الطلب العالمى وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تضطر إلى شراء الكميات الفائضة بالسعر الرسمى لتحول دون انخفاض السعر ولكن سياسة الجنرال ديجول فى فرنسا وتزعمه لعودة الذهب إلى جانب التهافت على الشراء من أجل الربح ثم زيادة الطلب الصناعى على الذهب كل ذلك جعل المعروض من الذهب أقل كثيرًا من المطلوب.
والذهب له مصادر إنتاج تكاد تكون محدودة وأكبر البلاد إنتاجا للذهب هى جنوب إفريقيا تنتج الآن ما يساوى ٦٥% من الإنتاج العالمى حيث تطرح جنوب إفريقيا فى الأسواق العالمية ما يقدر بنحو ٧١٠ أطنان سنويًا ثم تأتى فى المرتبة الثانية الولايات المتحدة الأمريكية حيث بلغ ما عرضته فى عام ١٩٧٩ حوالى ٢٥٠ طنا والاتحاد السوفيتى من الدول الكبرى المنتجة للذهب وإن كان لا ينشر القيمة الحقيقية للإنتاج السنوى لكنه كان يطرح للبيع سنويًا حوالى ٤٠٠ طن وفى عام ١٩٧٩ طرح ٢٤٠ طنا فقط وهذا يؤكد أهمية الذهب فى الصراع السياسى الدائر حاليًا بين أمريكا والاتحاد السوفيتى.
الذهب فى مصر
إن القدماء المصريين هم أول من قدم معدن الذهب إلى العالم كله باعتباره إمبراطور المعادن وذلك منذ أكثر من ٥٠٠٠ عام.
لقد اكتشف قدماء المصريين ١٠٠ منجم للذهب وأغرقوا الدنيا بالمشغولات الذهبية التي تعرضها متاحف العالم .. وقد توقف إنتاج الذهب فى مصر منذ عام ١٩٦٢ لعدم الحصول على كميات اقتصادية مناسبة مع نضوب بعض المعادن وأتمنى أن يكون ارتفاع سعر الذهب عاملا مشجعا لإعادة فتح المناجم المغلقة أو تكثيف عملية البحث العلمي عن مناجم جديدة بالوسائل الحديثة مما يرفع عنا بعض الأعباء الاقتصادية.
وأخيرًا
إن حالة الاضطراب السياسي التي تسود العالم والحروب والمعارك التي تشتعل كل يوم تساعد على تصاعد أسعار الذهب بشكل غير عادي وهذا الارتفاع يشكل ظاهرة اقتصادية غير طبيعية ستستمر ما دامت القلاقل والاضطرابات والثورات مستمرة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان