لم يعد العنف الأسري حوادث فردية نادرة كما كان في السابق، بل أصبح ظاهرة تثير القلق مع تكرار الأخبار التي تتناول وقائع مأساوية داخل الأسرة. فالمكان الذي يفترض أن يكون مصدر الأمان والطمأنينة قد يتحول أحيانًا إلي ساحة للصراع والتوتر، نتيجة تراكم ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية تؤدي في النهاية إلي انفجار الخلافات داخل البيت الواحد.
في هذا السياق، أكد د . شريف الراعي، رئيس قسم الإرشاد النفسي بقطاع المدن بجامعة عين شمس، أن العنف الأسري ظاهرة معقدة لا يمكن إرجاعها إلي سبب واحد، بل هي نتاج تداخل عدة عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية.
وأوضح أن المتابع للأخبار اليومية يلاحظ تزايد حوادث العنف داخل الأسرة ، التي قد تتطور في بعض الحالات إلي اعتداءات خطيرة بين الأزواج أو تمتد آثارها إلي الأبناء، وهو ما يستدعي التوقف أمام هذه الظاهرة والبحث في أسبابها الحقيقية.
وأشار إلي أن الدوافع النفسية تلعب دورًا مهمًا في فهم هذه السلوكيات، ومن أبرزها الغيرة المرضية. فالغيرة في حد ذاتها شعور طبيعي، لكنها عندما تتحول إلي هاجس مرضي قد تدفع الفرد إلي فقدان القدرة علي التمييز بين الواقع والخيال، فيشعر بتهديد دائم لعلاقته أو لمكانته داخل الأسرة. وفي هذه الحالة قد يلجأ إلي سلوكيات عدوانية بدافع حماية ما يعتبره ملكية خاصة به، وهو شعور يرتبط غالبًا بالرغبة في السيطرة والخوف من فقدان المكانة.
وأضاف أن الغيرة قد تمتد في بعض الحالات لتشمل الأبناء، خاصة في حالات الزواج الثاني أو تعدد الزوجات. فبعض الأشخاص قد يشعرون بأن أبناء الشريك من علاقة سابقة يستحوذون علي اهتمامه وعاطفته، مما يولد لديهم شعورًا بالتهديد أو الغيرة.
وقد يرتبط هذا الشعور أيضًا بالجانب المادي، حيث قد يعتقد البعض أن الموارد المالية للأسرة مثل الميراث أو النفقة يتم توجيهها إلي أبناء آخرين، وهو ما يخلق حالة من التوتر والقلق داخل الأسرة.
و أكد أن الرغبة في فرض السيطرة قد تكون أحد الدوافع وراء العنف داخل الأسرة ، إذ يلجأ بعض الأفراد إلي السلوك العدواني لإثبات القوة أو لإرسال رسالة للطرف الآخر. وفي حالات أخري قد يرتبط العنف بالشعور الدائم بالتهديد أو بعدم الأمان داخل العلاقة.
وأوضح د. الراعي أن بعض اضطرابات الشخصية قد تزيد من احتمالية السلوك العدواني، مثل اضطراب الشخصية الحدية أو اضطراب الشخصية النرجسية ، حيث يعاني المصابون بهذه الاضطرابات من صعوبة في التحكم في انفعالاتهم، وقد يلجئون إلي العنف كوسيلة للتعبير عن الغضب أو الإحباط أو للحصول علي الاهتمام والسيطرة.
ومن العوامل المهمة أيضًا التاريخ الشخصي للعنف، فالأشخاص الذين نشأوا في بيئة عنيفة أو تعرضوا للإساءة في طفولتهم يكونون أكثر عرضة لتكرار هذا السلوك في حياتهم لاحقًا. ففي كثير من الأحيان يصبح العنف نمطًا مكتسبًا يتعلمه الفرد منذ الصغر، حيث يعتبره وسيلة طبيعية لحل النزاعات أو فرض السيطرة.
وأشار كذلك إلي أن الخوف من الهجر أو الرفض قد يدفع بعض الأشخاص إلي سلوكيات عدوانية، إذ قد يلجأ الفرد إلي العنف في محاولة يائسة للحفاظ علي العلاقة أو منع الطرف الآخر من الابتعاد، كما أن الشعور بفقدان السيطرة علي الحياة أو علي الشريك قد يدفع بعض الأفراد إلي استخدام العنف كوسيلة لاستعادة الإحساس بالقوة والتحكم.
ولفت د. الراعي إلي أن العوامل النفسية ليست وحدها المسئولة عن تصاعد العنف داخل الأسرة، بل هناك أيضًا عوامل اجتماعية واقتصادية تلعب دورًا مهمًا، مثل الضغوط المالية والبطالة وعدم القدرة علي تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة، وهي ظروف قد تزيد من التوتر وتؤدي إلي تصاعد الخلافات داخل المنزل.
و يعد تعاطي المخدرات والكحول من العوامل التي تزيد من احتمالات العنف، إذ تؤثر هذه المواد علي القدرة علي التفكير السليم واتخاذ القرار، وتزيد من السلوكيات الاندفاعية والعدوانية، كذلك قد تسهم بعض الأعراف الاجتماعية في تبرير أشكال معينة من العنف، خاصة إذا كان المجتمع يتسامح مع هذه السلوكيات أو يعتبرها أمرًا طبيعيًا في إطار العلاقات الأسرية.
وأكد أن فهم هذه الدوافع لا يعني تبرير العنف بأي شكل من الأشكال، بل يهدف إلي تحليل جذوره النفسية والاجتماعية من أجل إيجاد حلول فعالة للوقاية منه.
واختتم د. الراعي حديثه بالتأكيد علي أن العنف داخل الأسرة لا يحدث فجأة، بل يكون غالبًا نتيجة تراكمات طويلة من الضغوط النفسية والاجتماعية وسوء إدارة الخلافات بين أفراد الأسرة، لذلك فإن نشر ثقافة الحوار والتفاهم داخل البيت، إلي جانب تعزيز الوعي بالصحة النفسية وتوفير الدعم الاجتماعي للأسر التي تواجه ضغوطًا، يمثل خطوة أساسية نحو بناء أسر أكثر استقرارًا وتماسكًا.