الرهان الأمريكي الخاسر .. لماذا فشل خيار إسقاط نظام الملالي ؟

الرهان الأمريكي الخاسر .. لماذا فشل خيار إسقاط نظام الملالي ؟الملالي

منذ اندلاعها بنهاية شهر فبراير الماضي، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشهد تحولات واضحة فى الأهداف المعلنة والخطاب السياسي المصاحب لها، وكان لافتا فى الأيام الأخيرة تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن طموحه المعلن سابقا بإسقاط نظام الملالي الإيراني ، ليتجه نحو التركيز على إضعاف القدرات العسكرية والنووية لطهران، ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا التحول فى الاستراتيجية الأمريكية، وما إذا كان يعكس إدراكا أمريكيا بصعوبة انهيار النظام الإيراني من الداخل.

عقب اتصال هاتفي مع ترامب ، نقلت ستيفاني رول، مقدمة برنامج “الساعة الحادية عشرة”، عن الرئيس الأمريكي قوله، إن إسقاط النظام لم يكن هدفا رئيسيا للعملية العسكرية ضد إيران ، مضيفا أن: “الأمر الأهم هو ألا يمتلكوا سلاحا نوويا”.

وفى منشور على منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال” فى 20 مارس الحالى، بدا ترامب وكأنه تراجع عن بعض أهدافه السابقة الأكثر طموحاً، مع التركيز بدلا من ذلك على إضعاف القدرات العسكريـــــــة والدفاعيـــة لإيران، والتعهد بالدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط.

صحيفة “نيويورك تايمز”، لفتت إلى عدم إشارة المنشور لدعم تغيير النظام الإيراني من خلال انتفاضة شعبية، كما أعلن ترامب سابقا، وتأكيده على أن الحرب قد تنتهى قريباً.

ورأت الصحيفة، أنه لم يكن من المفاجئ أن يسعى ترامب إلى طمأنة الأمريكيين بأن الولايات المتحدة “قريبة جداً” من تحقيق أهدافها، فى ظل الاستياء الذى يبديه الأمريكيون إزاء ارتفاع سعر البنزين، وشعور الجمهوريين بالقلق إزاء التأثير السلبى لتكلفة الحرب على الاقتصاد الأمريكى، خاصة بعد طلب البنتاجون تخصيص 200 مليار دولار لتعويض الذخائر التى استهلكت فى العملية العسكرية ضد إيران.

وفى تقرير آخر، كشفت “نيويورك تايمز”، مستندة إلى مقابلات مع مسئولين أمريكيين وإسرائيليين حاليين وسابقين، أنه بينما كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان لخوض الحرب ضد إيران، قدم رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلى (الموساد) ديفيد برنياع خطة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تستهدف إسقاط الحكومة الإيرانية خلال أيام من بدء الحرب، عبر حشد المعارضة الإيرانية، وإشعال أعمال شغب، وأشكال أخرى من التمرد.

وخلال الفترة التى سبقت الحرب، استخدم نتنياهو هذه التقديرات لإقناع ترامب بأن إسقاط النظام الإيراني “هدف واقعي”.

لكن العديد من المسئولين الأمريكيين، نظروا إلى خطة الموساد بعين الشك. فقد اعتبرت تقييمات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية هذا السيناريو “مستبعدا نسبيا”، مرجحة استمرار سيطرة العناصر المتشددة داخل النظام على مقاليد السلطة.

كما أبلغ قادة عسكريون أمريكيون ترامب بأن الإيرانيين لن يخرجوا للاحتجاج فى وقت تتعرض فيه بلادهم لقصف أمريكي وإسرائيلي.

وقالت “نيويورك تايمز”: مع ذلك، بدا أن نتنياهو و ترامب تبنيا رؤية متفائلة، مفادها أن اغتيال قادة إيران فى بداية الصراع، والذى أعقبه سلسلة من العمليات الاستخباراتية التى تهدف إلى تشجيع تغيير النظام، قد يؤدي إلى انتفاضة شعبية واسعة تُنهى الحرب سريعاً.

وبعد مرور ثلاثة أسابيع على بدء الحرب، خلصت تقييمات الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية إلى أن النظام الإيراني، رغم تعرضه لضغوط عسكرية، لا يزال متماسكا، وأن الخوف المجتمعي الواسع من قوات الجيش والشرطة الإيرانية قلص فرص اندلاع تمرد داخلي، كما حد من احتمالات قيام ميليشيات من خارج إيران بشن هجمات عبر الحدود.

واعتبرت “نيويورك تايمز”، أن الرهان على إشعال انتفاضة داخلية كان “خللاً أساسياً” فى التحضير للحرب.

وأشار خبراء إلى أن الرهان على تفكك النظام الإيراني من الداخل كان نوعا من سوء التقدير، وفى هذا الإطار، أشارت نيجار مرتضوى، كبيرة الباحثين فى مركز السياسات الدولية فى واشنطن، إلى أن التجارب السابقة، بما فيها “حملة يونيو”، أثبتت أن القصف لا يؤدى إلى خروج مظاهرات فورية، بل قد ينتج تأثيرا عكسيا.

وأوضحت مرتضوى، أن الشارع الإيرانى يعيش حالة معقدة؛ فهناك مظالم اقتصادية وسياسية، لكن فى ظل الحرب تميل بعض الفئات إلى دعم النظام أو الاصطفاف معه، مؤكدة أن أوقات الحرب ليست أوقات احتجاج.

وأضافت، أن القصف واستهداف البنى التحتية يدفعان نحو تعزيز الطابع الأمنى للدولة، ويغلقان المجال أمام أى حراك سياسى، حيث ينظر إلى أى مظاهرة على أنها اصطفاف مع العدو الخارجى، ما يجعل فكرة إسقاط النظام عبر الشارع خلال الحرب وهْما.

من جانبه، قال نائب رئيس قسم السياسات فى معهد الشرق الأوسط، كينيث بولاك، فى مقال تحليلى بمجلة “فورن آفيرز” الأمريكية، إن الرهان الحقيقي فى الحرب الحالية على إيران لا يتعلق بالحملة العسكرية نفسها، بل بمدى قدرة حملة جوية ضخمة على إشعال تمرد شعبى يطيح بالنظام فى طهران.

وأوضح بولاك، أن التجارب التاريخية منذ الحرب العالمية الثانية تشير إلى صعوبة إسقاط الأنظمة عبر القوة الجوية وحدها دون تدخل بري.

كما أن التقارير الواردة من إيران تؤكد أن قوات الأمن التابعة للنظام منتشرة بالفعل فى جميع أنحاء البلاد، تراقب بحزم أى علامة على المعارضة، ولا تظهر أى مؤشرات على التراجع. وقد نجحت هذه القوات باستمرار فى قمع الانتفاضات الشعبية المتكررة.

ولفت بولاك، إلى أنه حتى إذا سقط النظام، فمن المرجح أن تنزلق إيران إلى حرب أهلية وفوضى عارمة، كما حدث فى العراق وليبيا، فى ظل غياب قوة برية كبيرة قادرة على التدخل الفورى لفرض القانون والنظام.

ويؤكد بولاك، أن الحرب الأهلية فى إيران قد تكون كارثية على الولايات المتحدة وحلفائها. وكما شهد العالم فى النزاعات داخل العراق وليبيا وسوريا واليمن وغيرها، فإن الحروب الأهلية لا تبقى محصورة داخل حدودها، بل تلقى بظلالها على الدول المجاورة، مصدرةً اللاجئين والإرهاب والتطرف والضائقة الاقتصادية والعنف، مما قد يؤدى إلى حروب إقليمية أو يدفع دولاً أخرى إلى حروب أهلية.

وسائل الإعلام العالمية ركزت على بحث أسباب تراجع موقف ترامب بشأن إسقاط النظام فى إيران، حيث اعتبرت صحيفة “الإندبندنت”، أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران كشفت محدودية القدرة على إسقاط النظام الإيرانى من الخارج، إذ أظهر صمود النظام وحفاظه على مؤسسات الدولة أن إسقاطه شعبياً صعب ومعقد.

وأضافت الصحيفة البريطانية، أن الدعوات الأمريكية للإيرانيين للانتفاض تحت وابل الحرب بدت بلا جدوى، بسبب تصاعد النزعة الوطنية وانقسام المعارضة، ما يعقد أى محاولة لتغيير داخلى سريع.

أما صحيفة “سيول إيكونوميك ديلى” الكورية الجنوبية، فقد أرجعت تحول موقف ترامب إلى تطور الحرب بشكل مختلف عما كان متوقعاً فى البداية. فعند شن الولايات المتحدة للحرب، كانت تأمل فى تشجيع الاحتجاجات المناهضة للحكومة التى بدأت فى طهران فى 28 ديسمبر من العام الماضى، لكن ذلك لم يتحقق. علاوة على ذلك، فقد ثبت إلى حد كبير خطأ التوقعات بأن القضاء على عدد قليل من القادة سينهى الحرب سريعاً، فقد ازداد الرأي العام الإيراني تشدداً تجاه الاحتجاجات، مع عدم وجود مؤشرات واضحة على أن النظام سينهار من الداخل.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان