“على هذه الأرض ما يستحق الحياة، على هذه الأرض سيدةُ الأرض، أُم البدايات؛ أُم النهايات كانت تُسمى فلسطين، صارت تُسمى فلسطين”.. هكذا قال الشاعر الفلسطيني الشهير محمود درويش، ليخلد صرخة أطلقها أبناء الشعب الفلسطيني لتشق صمت الجليل فى 30 مارس عام 1976، حينما حاول المحتل مصادرة الأراضي الفلسطينية من أهلها وملاكها الذين ضحوا بحياتهم من أجل الأرض مؤكدين أنها “هي التي تمنحهم الحياة، لا هم من يمنحون الأرض الحياة”.
خمسون عاماً مرت على ذلك الفجر الذي تآخى فيه الدم بالتراب، حين ظن العدو المحتل أن “المصادرة” مجرد حبر على ورق وخرائط صماء، فجاءه الرد من صدور عارية لا تملك سوى اليقين.
لم يكن “يوم الأرض” مجرد إضراب أو تظاهرة فى “سخنين” و”عرابة”، بل كان زلزالا أعاد ترتيب جغرافيا الروح الفلسطينية؛ ليعلن الفلاح البسيط أن جذور الزيتون أعمق من دباباتهم، وأن الهوية لا تُنتزع بقرار عسكري.
ومع إحياء اليوبيل الذهبي لذكرى يوم الأرض الفلسطيني ورغم ما مر به هذا الشعب العظيم الصامد من أحداث جسام إلا أن السنين لم تزد الهوية الفلسطينية إلا توهجاً، فلا يزال المنجل فى اليد، والزيتون ما زال يطرح شمساً، والجيل الذي لم يعاصر “الملّ” و”دير حنا” فى السبعينيات، يقود اليوم المعركة ذاتها بذاكرة فولاذية عبر الفضاءات الرقمية وأزقة القدس ورماد غزة .
لم يكن الصدام بين الاحتلال والشعب الفلسطيني حول أراض ستتم مصادرتها، بل كان صراع “البقاء” ضد “المحو”، وقصة شعب آمن بأن الأرض ليست عقاراً يُباع ويُشترى، بل هي عرض، وتاريخ.
لم تكن البداية فى مارس 1976 بل كانت قبل ذلك بعام تقريبا، حيث اتسم عام 1975 بتفاقم الحملات الإسرائيلية الرامية إلى الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وحصرهم فى جزر معزولة عن بعضها البعض.
وفى المقابل، اتسم هذا العام أيضاً باستشعار الفلسطينيين وقياداتهم خطورة المشاريع الإسرائيلية، فشهد تحركهم تصاعداً تدريجياً فى تعبئة القوى وتنظيمها وتوحيدها، الأمر الذي أدى فى النهاية إلى الإعلان عن يوم 30 مارس 1976 يوم احتجاج شامل دفاعاً عن أرضهم المهددة بالمصادرة والاستيطان.
وتروي دراسة على “الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية”، ما حدث تحت عنوان “نقطة تحول فى مسيرة الدفاع عن الأراضي الفلسطينية” للكاتب نبيه بشير، أن “النجاح الفلسطيني الكاسح فى يوم الأرض، والتضحيات التي قدمت فيه، شكلت علامة فارقة فى تاريخ النضال الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة منذ سنة 1948، ونقطة التقاء مع التجمعات الفلسطينية فى الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات”.
وأضافت الدراسة: “بدأ التحرك فى 21 مايو 1975 عندما بادر بعض الناشطين السياسيّين والمثقّفين من عرب 48 إلى عقد اجتماع تشاوري فى حيفا، وقد دعوا فى إثره عدداً كبيراً من رؤساء السلطات المحلية الفلسطينية، والناشطين السياسيين والمثقّفين والمحامين والأطباء والصحفيين، إلى عقد لقاء فى 29 يوليو من العام ذاته، للتحضير لاجتماع موسّع يرمي إلى بلورة ردّ شعبي على المشاريع الاستيطانية المزمع تنفيذها. وفى ذلك اللقاء، تقرر إنشاء “لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي .”
كذلك اتخذ المجتمعون قراراً بعقد مؤتمر عام للدفاع عن الأراضي فى مدينة الناصرة فى 18 أكتوبر 1975.
اعتبر المؤتمر العام أكبر مؤتمر شعبي عقده “عرب 48 أو فلسطينيو الداخل” فى إسرائيل منذ سنة 1948، فاحتشدت فيه مئات الوفود وآلاف الأشخاص الذين أتوا من كافة التجمعات فى الأراضي المحتلة. وصدر عن المؤتمر بيان تلاه حنا نقارة استعرض فيه المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية والوسائل والحجج التي تلجأ إليها السلطات للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
كما أصدر المؤتمر عدداً من القرارات، من ضمنها المطالبة بوضع حد لسياسة مصادرة الأراضي، وتشكيل لجنة متابعة لتنفيذ قرارات المؤتمر، والأهم من ذلك أن المؤتمرين تناولا إمكانية إعلان إضراب عام فى جميع أماكن وجود السكان الفلسطينيين فى الأراضي المحتلة إذا لم تتراجع الحكومة عن مشاريع المصادرة، من دون أن يشيروا إلى يوم محدد لهذا الإضراب.
فى نهاية السنة، أقدمت سلطات الاحتلال على مصادرة نحو 3 آلاف دونم من الأراضي التي يملكها أهالي قرية كفر قاسم، هذه القرية التي وقعت ضحية مجزرة رهيبة قبل ما يقارب 20 عاماً. وقد تبع قرار المصادرة قرار آخر فى مطلع فبراير 1976 رفضت الشرطة بموجبه منح تصاريح تسمح للفلاحين من قريتي عرّابة وسخنين ودير حنّا بدخول أراضيهم الواقعة فى منطقة المل (التي تعتبر جزءاً صغيراً من “المنطقة رقم 9” والتي كانت تستخدم لتدريبات عسكرية)، وأعلمتهم بأن من يدخل هذه الأراضي يرتكب مخالفة جنائية.
فى هذا الجو المتوتر الناجم عن المطالبة الفلسطينية بتراجع سلطات الاحتلال عن إجراءات مصادرة الأراضي وعن الاستعداد المتزايد لمواجهة هذه السلطات، اتخذت حكومة الاحتلال برئاسة إسحاق رابين، بتاريخ 29 فبراير 1976، قراراً آخر بمصادرة 20 ألف دونم من أراضي الجليل فى إطار خطة “تطوير الجليل”.
فما كان من “اللجنة القُطرية للدفاع عن الأراضي” إلا الرد بالدعوة إلى عقد اجتماع موّسع فى الناصرة فى 6 مارس 1976، حضره 70 مندوباً من مختلف القرى الفلسطينية (رؤساء سلطات محلية، ولجان دفاع محلية من عرب 48)، واتُخذ فى هذا الاجتماع قرار بدعوة فلسطينيى الداخل “إلى إعلان الإضراب العامّ فى 30 مارس 1976 وتحويل هذا اليوم إلى “يوم الأرض” الفلسطينية، ترفع فيه الجماهير صوتها مطالبة بوضع حدّ للسياسة الرسمية لحكومة الاحتلال التي أصبحت تهدّد مستقبل الشعب الفلسطيني.”
اندلعت الشرارات الأولى للمواجهة بين المواطنين وقوات الأمن الإسرائيلية فى قريتي دير حنّا وعرّابة فى 29 مارس، أي عشية يوم الأرض. ففي عصر ذلك اليوم، خرج أبناء هاتين القريتين فى مظاهرتين، أشعلوا خلالهما إطارات السيارات وقاموا بإغلاق شوارع عديدة فى دير حنّا، وطالب المتظاهرون فى عرّابة بإطلاق سراح عضو مجلس عرّابة المحلي السيد فضل نعامنة، الذي اعتقل فى اليوم السابق (فأُطلق سراحه نحو الساعة العاشرة ليلاً فى 29 مارس). تدخّلت قوّات من الجيش والشرطة فى المساء، وأطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين، فجُرح عدد كبير منهم. فى المقابل أغلقت الجماهير الطريق الرئيسي فى سخنين، لعرقلة دخول الآليّات العسكرية إليها وإلى قريتَي عرّابة ودير حنّا. ورُجمت الآليّات بالحجارة ورميت عليها زجاجات حارقة فى الشارع الرئيسي فى سخنين.
وفي فجر يوم الإضراب، قامت الشرطة وقوّات من الجيش وحرس الحدود بمداهمة قرى ومدن فلسطينية (من بينها سخنين وعرّابة ودير حنّا والناصرة وطمرة والطيبة وباقة الغربية والطيرة ونحف )، بواسطة سيّارات عسكرية ومجنزرات ودبّابات، كما داهمت قرى ومدناً أخرى (من بينها المغار ودالية الكرمل وكفر قاسم وكفر قرع وقلنسوة وجلجولية، ومدينتا حيفا وعكا) لاعتقال شخصيّات سياسية ناشطة، أو لتفريق مظاهرات.
وعلى الرغم من جميع هذه الإجراءات القمعية، فإن الإضراب كان شاملاً فى غالبية القرى والمدن الفلسطينية. ووقعت أعنف المواجهات فى قرى سخنين وعرّابة ودير حنّا، حيث بلغت حصيلة مواجهات “يوم الأرض” هناك أربعة شهداء (رجا أبو ريّا ، وخضر خلايلة ، وخديجة شواهنة من سخنين، وخير ياسين من عرّابة)، فضلاً عن سقوط الشهيدين محسن طه (كفر كنّا ) ورأفت زهيري (من مخيم نور الشمس للاجئين وقد سقط فى المواجهات فى الطيبة). كما جُرح خلال المواجهات قرابة 50 فلسطينياً، واعتقلت الشرطة نحو 300 متظاهر.
حملت أحداث يوم الأرض، فى بعض جوانبها، نوعاً من العصيان المدني ومواجهات عنيفة، بدت وكأنّها بين قوّة عسكريّة ومتمردين. فعلاوة على المواجهات بين المتظاهرين (ولا سيّما النساء) وقوّات الجيش، احتُجز أربعة من أفراد الشرطة وستّة جنود فى أحد بيوت قرية سخنين، وحاول بعض سكّان سخنين الوصول إليهم، وسط حصار فرضه آلاف غيرهم على البيت، ولم يمنعهم من ذلك سوى تدخّل بعض الأشخاص وصاحب البيت الذين فتحوا قنوات تفاوض مع قادة القوّة العسكرية لإخراجهم من القرية سالمين.
كما احتُجزت مصفّحة عسكرية فى داخلها عدد من الجنود فى أحد أحياء قرية عرّابة، وفتحت قناة للتفاوض بين أبناء القرية وبين القائد العسكري للواء الشمال رفائيل إيتان فى حينه (الذي أصبح رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي أثناء اجتياح لبنان سنة 1982)، الذي هدد باقتحام القرية وهدمها تماماً، إن لم يُطلَق سراح الجنود ويُفتح الطريق أمام المصفّحة للخروج. كذلك حوصر عدد من الجنود فى أحد أزقّة قرية دير حنّا.
واختتمت دراسة “الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية” بأن يوم الأرض قد نقطة تحول فى التوجهات والأدوات النضالية للفلسطينيين فى إسرائيل. فقد بلور فلسطينيو عرب 48 تدريجياً بعد هذه المناسبة كيانهم كمجموعة وطنية واحدة فى داخل دولة الاحتلال فيما هو أبعد من نضالاتهم المحلية.
وفي الوقت ذاته، خلقوا المناسبة الواحدة التي يمكن أن يلتف حولها الفلسطينيون فى كل مكان، إلى جانب ذكرى النكبة. فمنذ سنة 1976 حتى اليوم، يحيي الفلسطينيون فى أراضي عرب 48 والضفة الغربية وقطاع غزة والشتات ذكرى يوم الأرض، تأكيداً على تمسكهم بأرضهم ووطنهم، ولعدم استسلامهم لواقع استمرار السياسة الإسرائيلية فى الاستيلاء على أراضيهم، وهو ما أعلن عن ميلاد “الهوية الوطنية” من رحم الأرض، وما زال أبناء الشعب الفلسطيني على اختلاف أعمارهم صامدين.. متمسكين بأرضهم ووطنهم.. وبحقهم فى العودة مرددين “ باقون ما بقي الزعتر والزيتون”.
مخطط إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط يدق ناقوس الخطر
فاتورة الحرب على إيران.. هل يسددها الشعب الفلسطيني؟
ما شهده الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية، وما زال يشهده، من صراع غير محدد الأهداف أو متوقع النتائج، وضربات عسكرية متبادلة طالت عددا من دول المنطقة، يثار العديد من التساؤلات حول مستقبل الشرق الأوسط، وفى القلب منه القضية الفلسطينية تلك القضية المركزية بالشرق الأوسط، ولعل أهم تساؤل هو من سيدفع فاتورة هذه الحرب؟ هل إيران وشعبها فقط أم شعوب أخرى ستسدد الفاتورة من بينها الشعب الفلسطيني والذي قد يفقد بعضا من الدعم الإقليمي والدولي لقضيته وإعلان دولته المستقلة؟ وبالطبع إجابة هذا التساؤل قد تحمل بين طياتها تساؤلا آخر حول استمرارية إيران كلاعب رئيسي فى دعم الأجنحة المسلحة مثل حزب الله وحماس والحوثيين بالمال والأسلحة والتدريب أم ستخرج من تلك الحرب وقد انكبت على نفسها وتسعى لإعادة بناء قواتها العسكرية والنووية وبنيتها التحتية؟
فى السطور التالية سنركز على تأثير تلك الحرب على القضية الفلسطينية تحديدا، وهل ستتورط بعض فصائل المقاومة فى سداد فاتورة هذا الصراع؟ ولو سقطت إيران هل ستتراجع إسرائيل عن تنفيذ التزاماتها فى مبادرة السلام بينها وبين الفلسطينيين وتعود أكثر شراسة لتوجيه ضربات عسكرية تجاه قطاع غزة وربما الضفة أيضا؟
فى دراسة أعدتها المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية بعنوان “الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وأثرها على القضية الفلسطينية” أشارت إلى أن الحرب الجارية تعد تطوراً استراتيجياً قد يعيد تشكيل البيئة السياسية والأمنية للصراع فى الشرق الأوسط، مضيفة أن الحرب لا تقتصر على كونها مواجهة عسكرية بين أطراف دولية وإقليمية، بل تمتد تأثيراتها إلى موازين القوى التي تتحكم فى مسار القضية الفلسطينية خاصة فى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وأضافت الدراسة أن الدور الإيراني فى القضية الفلسطينية يستند إلى مزيج من الاعتبارات الأيديولوجية والاستراتيجية، حيث ترى طهران فى دعم حركات المقاومة جزءاً من خطاب “نصرة المستضعفين”، وفي الوقت نفسه أداة لتعزيز أمنها القومي عبر ما تسميه “الدفاع المتقدم”.
ومن هذا المنطلق طورت إيران شبكة من الحلفاء الإقليميين ضمن ما يعرف بمحور المقاومة، الذي يضم حزب الله فى لبنان، وبعض فصائل الحشد الشعبي فى العراق، وجماعة الحوثي فى اليمن، إضافة إلى علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية.
وتمثل هذه الشبكة أساس استراتيجية تعدد الجبهات التي تهدف إلى إرباك “إسرائيل” وخلق معادلة ردع إقليمية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً نسبياً من حروب الوكالة إلى أشكال من المواجهة المباشرة بين إيران و”إسرائيل” ما يزيد من احتمالات التصعيد الإقليمي.
على المستوى الفلسطيني، تشير التقديرات إلى أن نتائج الحرب قد تؤثر فى عدة ملفات رئيسية، أبرزها مستقبل الضفة الغربية وإمكانية تسريع مشاريع الضم والاستيطان، ومسار الحرب والتهدئة فى غزة، إضافة إلى استخدام القطاع كورقة تفاوض ضمن الصراع الإقليمي الأوسع. كما يتوقع أن تؤدي الحرب إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية للفلسطينيين، خاصة فى ظل هشاشة الاقتصاد فى قطاع غزة.
وتطرح الدراسة سيناريوهين رئيسيين لمستقبل الصراع: الأول يتمثل فى توسع الحرب إقليمياً بما يؤدي إلى فتح جبهات متعددة ضد “إسرائيل “وتدويل الصراع للقضية الفلسطينية لكنه قد يؤدي فى المقابل إلى تجميد فرص التسوية السياسية.
أما السيناريو الثاني فيتمثل فى احتواء الحرب أو انكفائها، وهو ما قد يعيدنا إلى نمط الحروب المحدودة ويُبقي القضية الفلسطينية فى إطار إدارة الأزمة دون حل جذري، مع استمرار سياسات الاستيطان «الإسرائيلية» فى الضفة الغربية والقدس.
أما عن انعكاسات الحرب الحالية على القضية الفلسطينية، فتشير تقديرات عدد من الخبراء إلى أن نتائج الحرب على إيران قد تشكل عاملاً حاسماً فى مستقبل الضفة الغربية. فإذا أفضت الحرب إلى اختلال واضح فى ميزان القوى لصالح “إسرائيل” والولايات المتحدة، فقد ترى تل أبيب أن اللحظة الإقليمية مناسبة للمضي فى خطوات استراتيجية كانت مؤجلة. ومن أبرز هذه الخطوات المحتملة:
تسريع مشروع ضم الضفة الغربية أو أجزاء واسعة منها، خصوصاً المناطق المصنفة (ج) التي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة.
أما عن انعكاسات الحرب على مسار الحرب والتهدئة فى غزة، فقد يتأثر القطاع بصورة غير مباشرة بالحرب الدائرة رغم حالة الهدوء النسبي فيه. فالتصعيد الإقليمي قد يعيد ترتيب أولويات الأطراف الدولية، خصوصاً الولايات المتحدة. ومن أبرز التداعيات المحتملة:تراجع الضغط الأمريكي على” إسرائيل” لاستكمال مراحل اتفاق وقف إطلاق النار.
وفى المقابل، قد تعيد الفصائل الفلسطينية تقييم استراتيجياتها وفق مآلات الحرب . فإذا بقي محور المقاومة متماسكاً فقد تحاول تعزيز شروطها التفاوضية. أما إذا تعرض لضغط كبير فقد تميل إلى تثبيت وقف إطلاق النار لحماية الجبهة الداخلية فى غزة.
كما أن هناك احتمالا لاستخدام غزة كورقة تفاوض فى الصراع الإقليمي، وهذا يعد أحد أخطر التداعيات المحتملة حيث سيتم ربط المسار الإيراني بالمسار الغزّاوي. ففي ظل التداخل المتزايد بين ملفات المنطقة، قد تتحول غزة إلى ورقة ضغط فى المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران أو عبر الوسطاء.
أما محمود الرنتيسي، الباحث فى مركز سيتا، فقال إنه فى ظل هذا التصعيد المفتوح، لم تعُد أي قضية فى المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بمنأى عن هذه التحولات، بل أصبحت جزءاً من مشهد إقليمي متداخل يعاد تشكيله على نحو متسارع.
وأضاف أن الحرب على إيران تأتي ضمن سياق أوسع من التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط منذ عقود، لكنها اكتسبت زخماً جديداً بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة على قطاع غزة، أعادت رسم موازين القوى وكشفت عن توجهات إسرائيلية تسعى إلى فرض وقائع استراتيجية طويلة الأمد. وفي هذا الإطار، تبدو الحرب الحالية امتداداً لمسار تصاعدي، تسعى من خلاله تل أبيب إلى توسيع هامش حركتها الإقليمية، مستفيدة من حالة السيولة السياسية والعسكرية.
وأشار إلى أن هذه التطورات انعكست سريعاً على الوضع الفلسطيني، خصوصاً فى قطاع غزة والقدس، فقد استغلّت إسرائيل حالة الحرب لتشديد إجراءاتها الميدانية، وفرض مزيد من القيود تحت غطاء الظروف الأمنية. وفي حال تحولت الحرب إلى صراع استنزاف طويل، فمن المرجح أن تمضي إسرائيل قدماً فى سياسات الضم والاستيطان والتهويد، مستفيدة من انشغال الأطراف الدولية والإقليمية.