يُثار جدل واسع حول العيش البلدي، أحد أهم مكونات المائدة المصرية، بين من يراه عنصرًا غذائيًا أساسيًا لا غنى عنه، وآخرين يحذرون منه ويصفونه بأنه “فقير القيمة الغذائية” أو حتى ضار بالصحة.
في هذا التقرير، يوضح الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، الحقيقة العلمية وراء العيش البلدي، وقيمته الغذائية، ومن هم الأشخاص الذين يجب عليهم الحذر في تناوله.
يوضح الدكتور أحمد أن العيش البلدي المدعم يُصنع من دقيق القمح بنسبة استخراج 82%، أي أنه بعد طحن القمح يتم إزالة جزء من النخالة (الردة) للوصول إلى هذه النسبة، مع الاحتفاظ بجزء منها داخل الدقيق. أما الجزء المُزال فيُستخدم في أعلاف الحيوانات وبعض الصناعات الغذائية.
وتتكون حبة القمح من عدة أجزاء مهمة، أبرزها النخالة (الردة) التي تحتوي على الألياف الغذائية، وفيتامينات ب المركبة، ومعادن مثل الحديد والمغنيسيوم والزنك، إضافة إلى مضادات الأكسدة. كما تحتوي الحبة على الجزء الداخلي الغني بالنشويات المعقدة وبروتين الجلوتين، إلى جانب جنين القمح الذي يمد الجسم بالدهون الصحية وفيتامين E ومغذيات مهمة أخرى.
وبناءً على ذلك، فإن القمح الكامل يُعد غنيًا بالعناصر الغذائية، حيث يوفر النشويات كمصدر أساسي للطاقة، مع نسبة متوسطة من البروتين، إلى جانب الفيتامينات والمعادن. ويحتوي رغيف العيش البلدي الواحد على نحو 7 إلى 9 جرامات من البروتين النباتي.
وعلى عكس الشائع، يؤكد أبو الريش أن العيش البلدي ليس فقير القيمة الغذائية، بل يُعد مصدرًا مهمًا للنشويات المعقدة التي تمنح طاقة مستدامة، كما يحتوي على نسبة من الألياف تساعد في تحسين عملية الهضم، وتقليل الإمساك، وتعزيز الشعور بالشبع.
كما يساهم العيش البلدي في تنظيم مستوى السكر في الدم بشكل أفضل مقارنة بالخبز الأبيض أو الدقيق منخفض الاستخلاص (72%)، وهو ما يجعله خيارًا غذائيًا أفضل نسبيًا.
أما عن التحذيرات المنتشرة حول منع تناول العيش، فيوضح أن الهيئات الصحية ومعاهد التغذية لا تمنع تناوله، بل تُدرجه ضمن مكونات “الطبق الصحي” إلى جانب مصادر النشويات الأخرى مثل الأرز والمكرونة والبطاطس.
ومع ذلك، تختلف استجابة الأفراد؛ فبعض الأشخاص قد يشعرون بتحسن عند تقليل أو منع العيش، خاصة في حالات معينة، بينما لا يلاحظ آخرون أي فرق، وهو ما يؤكد أن لكل شخص نظامًا غذائيًا يناسب حالته الصحية.
ويُمنع تناول العيش البلدي تمامًا لدى مرضى حساسية الجلوتين أو مرض السيلياك، وكذلك من يعانون من عدم تحمل الجلوتين. أما مرضى السمنة، والسكري، ومقاومة الإنسولين، أو من يعانون من مشكلات في الجهاز الهضمي، فيُفضل لهم تقليل الكميات وتناولها باعتدال، مع اختيار خبز الحبة الكاملة قدر الإمكان.
ومن المهم الإشارة إلى أن جميع أنواع الخبز ترفع مستوى السكر في الدم، لكن العيش البلدي يرفعه بشكل أبطأ مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خيارًا أفضل نسبيًا.
وفيما يتعلق بالشائعات حول التعديل الوراثي للقمح، أوضح الدكتور أحمد أن العالم نورمان بورلوج لم يحصل على جائزة نوبل بسبب التعديل الوراثي، بل نتيجة تطويره لسلالات قمح عالية الإنتاج ومقاومة للأمراض، ضمن ما عُرف بـ“الثورة الخضراء”، والتي اعتمدت على التهجين والانتخاب النباتي، وليس التعديل الجيني المعملي.
العيش البلدي ليس فقير القيمة الغذائية كما يُشاع، بل يُعد عنصرًا مهمًا ضمن نظام غذائي متوازن، بشرط الاعتدال في الكمية، خاصة لمرضى السكري أو مقاومة الإنسولين أو من يتبعون أنظمة لإنقاص الوزن. وكما هو الحال في كل شيء، يبقى التوازن هو الأساس: “كلوا واشربوا ولا تسرفوا”.