يقول المتحدثون: لا تبصق في بئر شربت منه! وإن فعلت.. فتلك خطيئة أخلاقية واجتماعية، فقد تضطرك الظروف للعودة إليه مرة أخري!
ولكن البعض منا - من الذين استقرت أحوالهم المادية والمهنية - لم يكتف بالبصق وإنما عدّد كل ما يدخره عقله من النقائص، واصفا بها المؤسسات الصحفية القومية ، التي «ترعرع» فيها، وتمكن من خلالها في ممارسة «تكتيكاته» بالتواصل مع جميع الأشخاص والأطراف الذين احتاج مساعدتهم لتحقيق «النقلة الاجتماعية» الكبري،
والتجاوز المهني والمادي لأقرانه، وحسنا عندما وصفهم أحد الزملاء بـ «المؤلفة جيوبهم»!
لقد استقبلتهم الصحف القومية ، وتدربوا فيها وعملوا بها، ثم قفزوا منها إلي «دكاكينهم» الخاصة مجهولة التمويل، والمغرضة سياسيا واقتصاديا..
أعتقد جازما أن هؤلاء يعلمون تمام العلم، أن المؤسسات الصحفية القومية هي «ركيزة» صحفهم الخاصة والحزبية، وهي التي أمدت أغلبها بالمحررين، وتولت طباعة نشراتهم وتوزيعها، فضلاً عن علمهم الأكيد بأن تلك المؤسسات القومية تمارس عملها علي أسس مهنية وبمسئولية وطنية، وهي «رأس الحربة» في الدفاع عن مقومات الأمن القومي، وحماية مقدرات البلاد، فضلاً عن نشر الوعي الثقافي والديني، وتوعية وإدارة الرأي العام، ومحاربة الشائعات، بنشر الحقائق وتأكيدها.
والأهم.. أن ولاءها لمصر وحدها وانتماءها للشعب الداعم والممول الوحيد لها!.
وإذا كان الحاضر.. امتدادًا للماضي، فسوف أحكي واقعة كنت طرفا فيها تكشف أن هؤلاء «المؤلفة جيوبهم» كانوا ومازالوا يبحثون عن مصالحهم الخاصة حتي لو هُدم المعبد علي من فيه!
في أحد أيام شهر مارس عام 2014، تلقيت اتصالا تليفونيا من د. أحمد فهمي رئيس مجلس الشوري (وقتها)، - وكنت أمينا عاما للمجلس الأعلي للصحافة – ليخبرني أن رئيس تحرير إحدي الصحف الخاصة يقترح تنظيم اجتماعا بين رؤساء مجالس الإدارة ورؤساء تحرير الصحف الحزبية والخاصة مع بعض قيادات الجماعة، للحوار وإزالة «سوء الفهم» الموجود بين الطرفين، وبداية لتعاون مشترك علي صفحة بيضاء جديدة، ثم طلب مني الاتصال بالزملاء رؤساء التحرير لاستطلاع رأيهم في الاقتراح، ثم أخبرني باسم صاحبه، فعلقت بأن الاقتراح غير مريح وورائه «إن» كما يقال.
ولكن لأن الرجل كان مهذبا في التعامل معنا في المجلس، وفوضني في بعض اختصاصاته، بعد أن لاحظ أداءنا المهني والموضوعي، لم أعارض طلبه وبدأت الاتصال بعدد من الزملاء في الصحف الخاصة والحزبية، ثم فوجئت بالرفض الشديد للاقتراح والاعتراض علي اللقاء، بل «لامني» بعضهم علي عدم رفضي له من البداية، وشرحت لهم أننا نمارس وظيفتنا في التواصل معهم ونعرض عليهم كل ما يخص المهنة ونسمع منهم، ثم نقرر معا ما يجب عمله، دون إجبار أو تدخل خارجي من أي جهة، فأهل مكة أدري بشعابها.. وقبل استكمال بقية الاتصالات، فوجئت برئيس المجلس يعاود طلبي، ويحدثني بنبرة مختلفة، طالبا صرف النظر عن الاقتراح الذي تحدثنا فيه من قبل، فقد تراجع صاحبه بحجة أن الأجواء غير مناسبة!
ونظرًا لأننا في الوسط الصحفي «نعرف بعضنا تمام المعرفة» فلم أعلق سوي بـ «الحمد لله أنها جت منه»، وإلا اتهمنا بالتقصير أو معارضة مقترحه «بلم الشمل»!
والمعني مما رويته - وكنت طرفا فيه - أن البعض كان ومازال يبحث عن «دور ما» ولا مانع لديه من التواصل مع أي أحد وبأي شكل لتحقيق «مصلحة خاصة» حتي لو كانت ضد الإجماع العام!
وأعتقد أن الزميل مقدم الاقتراح كان يعلم تماما، أن المجلس الأعلي للصحافة وقتها كان «حائط صد» وحماية لكافة المؤسسات الصحفية، وخاصة القومية منها، وكنا نتمتع بقدر من الاستقلالية ولم نسمح لأحد أن يتدخل في عملنا أو عمل الزملاء بالصحف والمجلات.
وعندما اتصل أحد رؤساء لجان مجلس الشوري «معاتبا» رئيس تحرير إحدي المجلات الأسبوعية علي عناوين أحد أعدادها، سارعت بالاتصال به وطلبت منه عدم تكرار ذلك، وإذا كان لديه ملحوظة ما، فليخطر بها المجلس ليتخذ ما يراه بشأنها.
ولكنه تحجج أنه «ممثل» المالك واشتكانا لرئيس المجلس الذي انحاز لموقفنا بعد أن عرضنا حجتنا، مؤكدًا أن المجلس - وقتها - هو المسئول عن بحث الشكاوي وتصحيح الأخطاء إن وجدت.
نعم.. وكما قال زميلنا العزيز حمدي رزق - في مقاله بالأهرام - كنا رجالة ووققنا وقفة رجالة، وحمينا المؤسسات الصحفية من التدخلات الخارجية وحافظنا علي استمرارها في عملها علي الرغم من عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي وقتها.. وعملنا في صمت واستهدفنا المصلحة العامة والحفاظ علي مقدرات المؤسسات القومية وأداء دورها التنويري والإعلامي، وأعتقد أنني لا أذيع أسرارًا الآن، فلم نكن نعمل في صحراء جرداء، بل كنا نحافظ علي احترام القوانين التي تحدد اختصاص كل جهة، وقد شاركنا في نشاطنا أحد الأصدقاء الذي تولي مركزًا مرموقًا مؤخرًا - حيث قدمنا - ولأول مرة دعمًا ماديًا سخيًا لنقابة الصحفيين لمواجهة احتياجاتها الملحة، ومشكلة العاملين في الصحف المتعطلة وقتها!
وقد كفاني - عن التكرار - ما كتبه الأصدقاء (د. هويدا مصطفي، ود. سامح محروس) عن المؤسسات القومية ودورها المهم، ولكن يؤسفني عودة البعض للهجوم عليها مرة أخري، مع علمنا جميعا بما تواجهه من تحديات وما تعانيه من مشاكل مؤقتة، ومع ذلك تقف علي أرض صلبة وتواصل عملها بكل جدية وإخلاص وتحظي بدعم إداري ومادي وفني من الهيئة الوطنية للصحافة والتي يرأسها حاليًا أحد أبنائها المخلصين - المهندس عبد الصادق الشوربجي - الذي يجمع بين حُسن الإدارة وحكمة الأداء المتزن الفعّال، ويكفي الإشارة إلي نجاح أغلب المؤسسات القومية في سداد ما عليها من ديون خاصة للبنوك، والضرائب، وتحاول حاليا سداد ما عليها من تأمينات.
وأعتقد أن الزميل «المهاجم» يعلم أن الهيئة الوطنية للصحافة تتابع وتراقب الأداء الإداري والمالي لتلك المؤسسات وبشكل يومي، كما يخضع المحتوي الصحفي في إصداراتها للتقييم والتطوير من خلال لجنة خاصة تضم زملاء أعزاء من أعضاء الهيئة، كانوا رؤساء تحرير لإصدارات يومية وأسبوعية، وحاليا من كبار الكُتّاب، ذلك بالتعاون والتفاهم مع رؤساء ومجالس التحرير في كافة المطبوعات، ناهيك عن تطوير البوابات الإخبارية للمؤسسات الصحفية لتواكب التطورات المتلاحقة في مجال عملنا، وتحاول ملاحقة مستجدات وسائل التواصل الاجتماعي بعد انتشار المواقع الخاصة والبودكاست!
ستظل المؤسسات الصحفية القومية منارات الوعي ومنابر الحقيقة، ولن يسمح أبناؤها بـ «لبننة» الإعلام المصري، كما حدث في الشقيقة لبنان في سنوات ماضية!
نعم.. لن نسمح بالاختراق السياسي ولا المالي للإعلام المصري تحت دعاوي خادعة ومصالح شخصية، خاصة أنه يحظي بتنوع قل أن يتواجد في بلد آخر، فلدينا القومي، والحزبي، والخاص، فضلاً عن المواقع الشخصية والصفحات الخاصة علي كافة وسائل التواصل الاجتماعي.. وهو ما يطلق عليه «صحافة المواطن».
ويجب علي هؤلاء «المؤلفة جيوبهم» أن يتوقفوا عن المطالبة بحرمان الدولة والشعب بأن يحظي بمنبر إعلامي عاقل وموضوعي، يعبر عن طموحاته ويحمي مقدرات المجتمع ويدافع عن أمنه القومي.
حفظ الله مصر.. وألهم أهلها الرشد والصواب