لماذا قبلت إيران الهدنة ؟

لماذا قبلت إيران الهدنة ؟الهدنة

بينما اعتبر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع إيران لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، “نصرا كاملا شاملا” للولايات المتحدة، فإن طهران على الجانب الآخر قالت إنها حققت نصرا عظيما وأجبرت أمريكا على القبول بمقترحها ذى النقاط العشر، وهو ما أثار التساؤلات حول الأسباب التى دفعت إيران للقبول ب الهدنة رغم إصرارها فى وقت سابق على إنهاء الحرب بشكل كامل قبل الدخول فى أى مفاوضات، فى الوقت الذى تثار فيه الشكوك بشأن مصير المفاوضات بين الجانبين.

قال المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى ، فى بيان: “لقد مُنى العدو فى حربه الظالمة وغير القانونية والإجرامية ضد الشعب الإيرانى بهزيمة لا يمكن إنكارها، هزيمة تاريخية وساحقة. وببركة الدماء الطاهرة للمرشد الإيرانى، على خامنئى وبفضل تدابير القائد مجتبى خامنئى وبسالة وتضحيات مقاتلى الإسلام فى الجبهات، حققت إيران نصراً عظيماً، وأجبرت أمريكا الإجرامية على القبول بخطتها ذات النقاط العشر، والتى التزمت فيها أمريكا، من حيث المبدأ، بعدم القيام بأى اعتداء، واستمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، والقبول بتخصيب اليورانيوم ، ورفع جميع العقوبات الأساسية والثانوية، وإنهاء كافة قرارات مجلس الأمن الدولى ذات الصلة وقرارات مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودفع تعويضات لإيران، وانسحاب القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما فى ذلك ضد المقاومة الإسلامية البطلة فى لبنان”.
وبعيدا عن التصريحات الرسمية، ذكر محللون أنه لا يُنظر إلى قبول إيران ب الهدنة باعتباره خطوة بسيطة أو انتصاراً واضحاً، بل كقرار معقد تحكمه الضغوط والضرورات أكثر من كونه اختياراً مريحاً، مشيرين إلى أن التلويح الأمريكى بتوسيع نطاق الضربات لتشمل البنية التحتية الحيوية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المستمرة، وضع طهران أمام خيارين: إما التصعيد نحو مواجهة مفتوحة ذات كلفة مرتفعة، أو القبول بتهدئة مؤقتة تتيح إعادة ترتيب الأوراق. كما أن الحفاظ على استقرار الداخل وتجنب استنزاف طويل الأمد، شكّل دافعاً إضافياً للانخراط فى مسار تفاوضى، حتى وإن تطلب ذلك مرونة فى بعض الملفات التى كانت تُصنف سابقاً كـ «خطوط حمراء».
لكن إيران سعت فى الوقت نفسه إلى تحويل الهدنة إلى مكسب سياسى، عبر طرح مجموعة مطالب شملت رفع العقوبات والاعتراف بحقها فى بعض الملفات الاستراتيجية، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لفرض شروط تفاوضية من موقع قوة نسبية.
وفى سياق تحليلات وسائل الإعلام العالمية للموقف الإيرانى، قالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن قبول طهران ب الهدنة يعكس حسابات واقعية دقيقة، إذ واجهت إيران مزيجاً من التهديدات العسكرية المباشرة والضغوط الاقتصادية المتفاقمة، ما جعل خيار التهدئة أقل كلفة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تستهدف بنيتها التحتية الحيوية.
ومع ذلك، لم تذهب الصحيفة الأمريكية إلى حد اعتبار ذلك «هزيمة» كاملة، بل تصفه بأنه تراجع محسوب يهدف إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب المواقف، متوقعة أن تدخل إيران المفاوضات، ليس باعتبارها تنازلاً، بل كجزء من إدارة صراع طويل، تحاول من خلاله تحسين شروطها، خصوصاً فى ملفات العقوبات والنفوذ الإقليمى وأمن الملاحة فى مضيق هرمز.
وبينما يميل مراقبون إلى اعتبار قبول إيران ب الهدنة مؤشراً على فاعلية الضغوط الأمريكية، سواء العسكرية أو الاقتصادية، أجمع المحللون على أن الولايات المتحدة لم تحقق نصراً كاملاً، وأشارت تحليلات إلى أن مجرد قبول واشنطن بوقف مؤقت للعمليات العسكرية وبدء مسار تفاوضى بشروط غير محسومة، يعنى أن النتيجة أقرب إلى «لا غالب ولا مغلوب»، أو ما يُعرف سياسياً بـ «تجميد الصراع» بدلاً من حسمه.
فى هذا الإطار، قدم موقع «أكسيوس»، طرحا أقرب الى فكرة توازن الردع حيث لا يرى فى ما حدث انتصاراً واضحاً لأى طرف، بل نتيجة طبيعية لوصول الطرفين إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار فى التصعيد أعلى من كلفة التهدئة.
ووفق هذا المنظور، فإن إيران لم تُجبر بالكامل على التفاوض، لكنها أيضاً لم تفرض شروطها بشكل كامل، بل دخلت فى معادلة شد وجذب، تحاول من خلالها تثبيت بعض الخطوط الحمراء، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
وأشار الموقع الأمريكى، إلى أن انخراط طهران فى المفاوضات سيكون مرهوناً باستمرار هذا التوازن، بحيث لا تشعر بأنها تقدم تنازلات مجانية.
من جانبها، قالت «سكاى نيوز» فى تقرير لها، إن قبول الولايات المتحدة و إيران بالهدنة، بعد أسابيع من التصعيد العسكرى غير المسبوق الذى وضع المنطقة على حافة مواجهة واسعة، يعكس توازنات دقيقة فرضتها الوقائع الميدانية والضغوط الاقتصادية.
وأشار التقرير، إلى أن إيران، فى مواجهة الحملة العسكرية التى استهدفت مواقع إيرانية حساسة، شملت منشآت مرتبطة بالبرنامجين الصاروخى والنووى، إضافة إلى بنى تحتية عسكرية، لم تكتفِ بالرد التقليدى، بل سعت إلى توسيع نطاق المواجهة جغرافياً، واستخدام أدوات ضغط، كان أبرزها مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، إلى جانب اتخاذ إجراءات ميدانية أثّرت على حركة الملاحة ورفعت منسوب التوتر فى الخليج.
وأمام هذا الواقع، تشكّلت ملامح تفاهم غير معلن، يقوم على تهدئة متبادلة، يتصدرها شرط أساسى يتمثل فى إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة، باعتباره خطاً أحمر دولياً لا يمكن تجاوزه دون تداعيات واسعة. ويقابل هذا الالتزام تعليق الضربات العسكرية لفترة محدودة، بما يفتح نافذة لخفض التصعيد ومنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها.
ورأت «سكاى نيوز»، أن هذا المسار يعكس تحوّلاً واضحاً فى الموقف الإيرانى، من توسيع رقعة التصعيد وتهديد محيطه الإقليمى، إلى القبول بضوابط تهدئة تفرضها موازين القوى والضغوط الدولية، فى خطوة تعكس تأثير الوقائع الميدانية على القرار السياسى.
فى المقابل، يعكس القرار الأمريكى بتجميد العمليات العسكرية إدراكاً متزايداً لحساسية المرحلة، خصوصاً فى ظل الترابط بين أمن الطاقة والاستقرار الإقليمى،
وما يمكن أن يترتب على أى تصعيد إضافى من تداعيات عالمية.
لكن فى الوقت نفسه، أشار تقرير «سكاى نيوز» إلى وجود ملفات أساسية لا تزال عالقة، فى مقدمتها البرنامج النووى الإيرانى، والدور الإقليمى لطهران، ومستقبل التوازنات الأمنية فى المنطقة، وهى قضايا مرشحة لإعادة إنتاج التوتر فى أى لحظة.
وخلص التقرير إلى أن الهدنة الحالية تبدو أقرب إلى استراحة مؤقتة فرضتها موازين القوى، أكثر من كونها تسوية نهائية، فى مشهد يعكس انتقال الأزمة من ذروة التصعيد إلى إدارة حذرة للتوتر.
فى السياق ذاته، قالت وكالة الصحافة الفرنسية، إن الجانبين الأمريكى والإيرانى لا يزالا على طرفى نقيض فى مواقفهما بشأن إنهاء الحرب، بالرغم من المفاوضات التى من المقرر أن تبدأ بينهما.
وأضافت الوكالة الفرنسية، أن الخطة المكونة من عشر نقاط التى اقترحتها إيران لإنهاء الحرب، ووصفها ترامب بأنها “قابلة للتنفيذ”، تتضمن عدة نقاط خلافية سبق أن وصفتها واشنطن بأنها غير قابلة للتطبيق.
وأشارت الوكالة الفرنسية، فى تقريرها، إلى أن ترامب كان قد برر الحرب باتهام طهران بتخصيب اليورانيوم بهدف صنع سلاح نووى، وهو ادعاء لم تؤيده الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ونفته إيران.
ولفت التقرير، إلى أن الولايات المتحدة، فى خطة سابقة لوقف الأعمال الحربية، والتى رفضتها طهران، طالبت إيران بوقف المزيد من تخصيب اليورانيوم، والموافقة على وضع قيود على برنامجها الصاروخي، ووقف دعم الجماعات المسلحة فى المنطقة، لكن هذه الشروط لم تُفصّل فى الهدنة الأخيرة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان