بين صولات التحرير وجولات التنمية.. «المرأة السيناوية» حارسة الأرض وشريكة النصر

بين صولات التحرير وجولات التنمية.. «المرأة السيناوية» حارسة الأرض وشريكة النصرالمرأة السيناوية

المرأة السيناوية.. كانت دائمًا فى قلب المعركة، شريكة فى الدفاع عن الأرض، وصانعة للحياة فوق رمال سيناء، ومع احتفال مصر بذكرى تحرير سيناء، تتجدد الحكايات التي تروي بطولات النساء السيناويات، ودورهن الممتد من مقاومة الاحتلال إلى دعم مسيرة التنمية. وشاركت المرأة المصرية فى تحرير سيناء من خلال مقار التنظيم النسائي والجمعيات النسائية الأهلية، فى خدمة أسر الشهداء والجرحى، وفى بثّ الحملات الإعلامية للتطوع فى التمريض والتبرع بالدم، وفي تدعيم الجبهة الداخلية، وفى جمع المعلومات عن العدو.

من بين النماذج المضيئة، قصة «شيخة المجاهدين»، الحاجة فرحانة حسين سالم، التي تنتمي إلى قبيلة الرياشات بسيناء، والتي تعد من أبرز من شاركن فى تحرير سيناء، حيث انضمت عقب النكسة إلى صفوف الأبطال المحررين لسيناء، وتم تكليفها بمهمة رصد القوات الإسرائيلية فى عمق سيناء، وكانت فى ذلك الوقت تعمل فى تجارة القماش، والتي مثلت غطاءً قويًا لأداء مهمتها، حيث قامت برصد تمركزات العدو على طريق رحلتها من العريش إلى القاهرة مرورًا بمدن السويس وأبو زنيمة بجنوب سيناء، والجفجافة بوسط سيناء، والعريش والشيخ زويد بشمال سيناء، فكان دورها الأساسي توصيل المعلومات السرية التي كانت تحصل عليها من المجاهدين، وكانت تخفي الرسائل فى ملابسها عن طريق تطريزها بالإبرة، ونجحت فى نقل خرائط وأسلحة وصور فوتوغرافية لمستعمرات إسرائيلية فى الشيخ زويد، وبفضل جسارتها وتخفيها الذكي، تمكنت رغم عدم إجادتها للقراءة والكتابة من تسجيل ورصد تفاصيل مهمة، حيث كانت تحفظ الرموز على سيارات العدو وترسمها على الرمال، مما كان له أثر كبير فى نقل معلومات دقيقة، كما كانت تُرسل رسائل مشفرة عبر الإذاعة إلى المجاهدين فى سيناء؛ فعند نجاح مهمتها كانت تبعث سلامها عبر الراديو، مما جعل المجاهدين يحتفلون ويوزعون الحلوى فرحًا بنجاح العملية.

أما المجاهدة فهيمة الهرش، فهي أول سيدة بدوية تعمل فى منظمة سيناء العربية، وكانت تحمل جهاز لاسلكي متنقل، وتنقل التموين للأفراد خلف الخطوط، وقامت بإيواء أحد الفدائيين فى منزلها لفترة طويلة بعد أن حفرت له حفرة كبيرة وضعته فيها وغطته بأكوام من الحطب، وكانت تقدم له الطعام والشراب وهو فى حفرته، كما كانت تمد القوات المصرية بالمعلومات عن العدو الإسرائيلي، وهي أول سيدة يكرمها الرئيس محمد أنور السادات، هي وزوجها، ومنحهما نوط الشجاعة من الطبقة الأولى.

المرأة السيناوية فى قلب الدولة

تلك الأنامل التي حاكت خيوط النصر فى صمت، وهي تنقل المعلومات خلف خطوط العدو، هي ذاتها اليوم التي تغزل خيوط التنمية عبر مشروعات تمكين المرأة وحماية التراث، رحلة الكفاح النسائي فى سيناء لم تنتهِ برفع العلم، بل اتخذت شكلًا جديدًا يتناسب مع مقتضيات الدولة الحديثة، حيث تحولت المناضلة والمحاربة إلى رائدة أعمال وصانعة ترسم ملامح سيناء الجديدة بروح لا تعرف المستحيل، ولم يكن هذا التحول النوعي فى دور المرأة السيناوية ليتحقق لولا وجود إرادة سياسية حقيقية تضع سيناء على رأس أولوياتها، حيث سخرت الدولة المصرية كل إمكانياتها لتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للنهوض بالمرأة، وتقديم الدعم اللوجستي والمادي الذي تحتاجه لتكون شريكًا فعليًا فى قطار التنمية الذي يجوب أرض الفيروز.

ومنذ تولى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي المسئولية، وضعت الدولة المصرية سيناء فى قلب خططها الاستراتيجية، وكانت المرأة السيناوية هي الجوهر فى هذا الاهتمام، باعتبارها حارسة الأرض وشريكة النصر، فأصبحت اليوم الركيزة الأولى فى كل مبادرات التنمية والتمكين التي تشهدها سيناء، ورأت القيادة السياسية أن أمن سيناء يبدأ من استقرار الأسرة السيناوية، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بتمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا، وهو ما سعت إلى تحقيقه لتفعيل مشاركة المرأة السيناوية فى عملية التنمية والبناء، فكانت الخطوة الأولى هي المجمعات التنموية المتكاملة مثل طيبة 1 وأبو رصاصة، والتي منحت السيدة السيناوية فرصة لتتحول من ربة منزل إلى مستثمرة فى مجال الزراعة، من خلال منح منازل للأسر وأراضٍ للزراعة وصوبات، وتوفير مياه نظيفة للحياة.

رائدة أعمال

كما سُمح للمرأة السيناوية، من خلال قروض «مشروعك»، بإنشاء وحدات منزلية لإنتاج الألبان وتربية الدواجن وتصنيع المنتجات الصديقة للبيئة، كما أطلقت الدولة منصة «أيادي مصر» الإلكترونية لتسويق منتجات المرأة السيناوية من الحرف اليدوية والمشغولات التراثية المحلية، كالتطريز السيناوي وصناعة السجاد اليدوي والمشغولات البدوية والإكسسوارات التراثية، لكسر حاجز العزلة الجغرافية.

وكان للدولة دور كبير فى مساندة المرأة لحماية التراث السيناوي، فهو ليس مجرد زينة، بل هوية واقتصاد، فخصصت الدولة للمرأة السيناوية أجنحة مميزة للمشاركة فى معارض «تراثنا» و«ديارنا»، لضمان وصول التراث السيناوي إلى البيت المصري والسائح الأجنبي، كما أنشأت وزارة التضامن والمجلس القومي للمرأة مراكز لتدريب الفتيات على دمج «التطريز السيناوي» فى الأزياء الحديثة والمنتجات الجلدية والمفروشات، لزيادة قيمتها التسويقية.

ويقوم جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بتقديم قروض ميسرة للمرأة السيناوية لبدء مشروعات صغيرة، وينظم دورات تدريبية على إدارة المشروعات، ويساعد فى تسويق المنتجات من خلال المعارض، كما تقوم وزارة الاستثمار، من خلال جمعية شباب المستقبل لحماية البيئة والتراث السيناوي التابعة لهيئة تنمية الصادرات، بالمساهمة فى تصدير المنتجات السيناوية للخارج، مما يسهم فى زيادة الناتج القومي.

ويلعب المجلس القومي للمرأة دورًا محوريًا فى دعم المرأة السيناوية من خلال تنفيذ حملات توعية وورش تدريب للسيدات، وبرامج تمكين اقتصادي مثل «مشروع تنمية الأسرة المصرية»، وتدريب السيدات على الحرف اليدوية وريادة الأعمال، واستخراج بطاقات الرقم القومي لتسهيل حصولهن على الخدمات، كما أنشأ المجلس مراكز تدريبية متخصصة داخل سيناء لتعليم السيدات والفتيات فنون التطريز والخرز مع إضافة لمسات عصرية تناسب ذوق السوق العالمي، وصناعة الصابون والزيوت الطبيعية لاستغلال الموارد البيئية فى سيناء مثل زيت الزيتون والأعشاب، وريادة الأعمال ممثلة فى تدريب السيدات على كيفية حساب التكلفة والتسعير والبيع عبر الإنترنت.

تنوع تراثي

تتنوع الأعمال اليدوية والتراثية للمرأة السيناوية، مما يمنحها تنوعًا فريدًا وقدرة كبيرة على التسويق سواء داخل أو خارج مصر. ومن أشهر أعمالها اليدوية الثوب السيناوي المصنوع من خيوط الحرير والقطن على القماش الأسود أو الملون، والإكسسوارات العصرية القائمة على دمج التطريز فى الحقائب والمحافظ والشيلان وربطات العنق لتناسب الذوق العالمي، وصناعة الكليم من نسج النول اليدوي، والتي تتميز بألوانها الصريحة والمتنوعة والمبهجة ذات الطابع التراثي المميز، بالإضافة إلى الحلي البدوية من عقود وأساور، والتي تمزج بين الخرز والأحجار الكريمة المتوفرة فى جبال سيناء.

ومما يميز المرأة السيناوية قدرتها على تجفيف الأعشاب الطبية كالمرمرية والزعتر الجبلي والبردقوش وتعبئتها يدويًا، وكذلك عصر الزيتون وتعبئة التمور، وهي مشروعات منزلية صغيرة تعتمد على تنقية وتعبئة أجود أنواع الزيوت والتمور السيناوية بلمسة نسائية، وتعد سليمة جبلي، مؤسسة «فن سيناء»، أبرز مثال على ما وصلت إليه المرأة السيناوية، حيث تم اختيارها لتكون ضمن قائمة 22 سيدة مصرية مؤثرة لسنة 2022، إذ استطاعت جبلي أن تغزو العالم بالفن السيناوي.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان