أفهم معنى تلك الابتسامة الباهتة، على وجه ذلك الصديق الذى طالما ناهدني فى حوارات وسجالات حول جدوى عدد كبير من المشروعات ، أراه يقف الآن أمام هذا الكم المتدفق من الأخبار عن التحركات المتجه كلها نحو مصر كممر آمن فى ظل حالة الاضطراب القصوى، التي خلفتها، ولا تزال، الحرب الأمريكية الإيرانية ..
فحين كان البعض يتساءل فى ريبة: لماذا كل هذه المليارات فى الأسفلت والخرسانة؟ ، كانت الدولة المصرية تقرأ كتاب المستقبل بعيون زرقاء اليمامة ، واليوم وبينما تتقاذف أمواج الجيوسياسية العاتية استقرار المنطقة، وتتحول مضايق دولية إلى نقاط اختناق تارة ومسارح للصراع تارة أخرى، تقف مصر شامخة كـ «الرمانة»، التى تضبط إيقاع الحركة، والبديل الجاهز الذى لا يمكن للعالم الالتفاف عليه.
لقد ثبت يا صديقى صاحب الابتسامة الباهتة، وبالدليل القاطع أن إنفاق المليارات على البنية التحتية والموانئ لم يكن «رفاهية»، أو دون جدوى كما كنت تظن وتردد ، بل كان استثمارًا فى «السيادة»، فمصر اليوم لا تقدم مجرد ممر مائي، بل تقدم «الأمان والاستدامة» فى سوق عالمية مضطربة لا تعترف إلا بالقوى المستعد.
لذلك يا صاحب الابتسامة، تحملنى كما كنت أتحملك، فما تحتويه السطور التالية ليس مجرد رصد مشروعات إنشائية أو افتتاح أرصفة بحرية، بل لاستقراء لـ «عبقرية الإرادة المصرية»، التى حولت الجغرافيا من مجرد موقع متميز على الخريطة إلى «مفتاح لعب» حاسم ورقم صعب فى كل معادلات الاقتصاد والسياسة الدولية.
على مدار سنوات من العمل الصامت والدءوب، وبتوجيهات مباشرة وقراءة استباقية دقيقة من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لخريطة الاقتصاد العالمي ، كانت الدولة المصرية تخوض سباقًا مع الزمن، لترسيخ مفهوم «الدولة المركز»، التى لا تكتفى بكونها مجرد معبر مائى متمثل فى قناة السويس ، بل تطمح وتعمل لتكون العقل اللوجستى المدبر والقلب النابض لحركة التجارة العالمية بين قارات العالم الثلاث، وهو ما يتجلى بوضوح فى تلك الطفرة الكبرى، التى نشهدها اليوم فى كل ربوع المحروسة، من شمال سيناء إلى دمياط وصولاً إلى أقاصي الصعيد.
نحن نرى بأعيننا – وأظنك ترى أنت أيضا فلا تنكر! - كيف تحولت المليارات التى أُنفقت بصبر وعرق المصريين على البنية التحتية والموانئ والسكك الحديدية، إلى «مصدات اقتصادية» وقلاع حصينة تمنح مصر ثقلاً استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه، خاصة فى ظل الأزمات الجيوسياسية والاضطرابات العنيفة، التي تضرب مفاصل سلاسل الإمداد العالمية وتجعل من المسارات التقليدية فى المنطقة نقاطًا محفوفة بالمخاطر والاختناقات، وكيف تبرز مصر كـ «بر الأمان» والملاذ الأكثر استقرارًا وجاهزية للمستثمر العالمي وللشركات الكبرى، التى تبحث عن الكفاءة والسرعة والأمان المستدام فى زمن لم يعد يعترف إلا بالأقوياء ومن يمتلكون «الأرض والقرار».
والمشهد فى شمال سيناء ، وتحديدًا فى ميناء العريش البحرى- وهو خير مثال عملي على ما أقول - ليس مجرد عملية تطوير عادية أو بناء أرصفة خرسانية، بل هو «ملحمة بناء» تعيد صياغة دور سيناء بالكامل فى قلب الاقتصاد القومي ، فهذا الميناء يتحول اليوم بفضل الرؤية المصرية إلى «أيقونة للتنمية الشاملة» فى وسط سيناء، التى ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن يد التطوير، واليوم نرى الأرصفة والحواجز المائية والمنطقة اللوجستية العملاقة، وصوامع وساحات التخزين المبردة التى تخدم تجارة الترانزيت، تفتح آفاقًا جديدة لخلق آلاف من فرص العمل لأبناء سيناء الأبطال، وتجعل من هذه البقعة الغالية من جسد الوطن، جاذبة للاستثمارات العالمية، لتثبت للجميع أن مصر التى أنفقت المليارات كانت «شايفة لبعد بكره مش لبكره بس» وأنها لا تفرط فى حبة رمل واحدة بل تحولها إلى قيمة مضافة وثروة للأجيال القادمة.
كما أن قصة النجاح المبهرة، التى سطرها ميناء دمياط، و باتت تُدرس كنموذج للتحول اللوجستى الناجح -هى أيضا يا صديقى الضاحك الباهت - خير دليل على ما أقول، حيث أصبحت «خدمة الترانزيت غير المباشر» عبر خط «الرورو» الرابط مع ميناء تريستيا الإيطالى هى الممر المفضل للتجارة الأوروبية المتجهة إلى أسواق دول الخليج العربى ، وهو ما يعتبر شهادة ثقة دولية «بختم النسر المصرى» فى كفاءة الموانئ المصرية وسرعة الإفراج الجمركى، التى جعلت الشاحنات الأوروبية تعبر الأراضى المصرية بسلاسة ويسر لتصل إلى الإمارات والكويت وعمان وقطر فى زمن قياسى، وهو ما يؤكد أن «السيستم» المصرى الجديد القائم على الرقمنة والربط بين الموانئ البرية والبحرية والسكك الحديدية قد نجح فى كسر القواعد القديمة وتوفير بديل موثوق وموفر للتكلفة، فالمستثمر والمصدر العالمى لا يجامل أحدًا، ولكنه يذهب حيث يجد الأمان والسرعة، ومصر اليوم بفضل شبكة طرقها وموانئها ومنظومتها الجمركية المتطورة أصبحت الخيار الأول والآمن، خاصة حين تضطرب الملاحة فى نقاط الاختناق التقليدية مثل مضيق هرمز ، حيث تتجه الأنظار تلقائيًا إلى موانئ السخنة ودمياط وشرق بورسعيد كحلول بديلة ومستدامة تضمن بقاء سلاسل الإمداد بعيدًا عن التوترات السياسية والعسكرية.
إن هذه القوة الاقتصادية واللوجستية لم تكن لتكتمل أو تؤتى ثمارها لولا تلك «السياسة الرشيدة والحكيمة»، التى تنتهجها القاهرة فى التعامل مع كل ملفات المنطقة المعقدة، فقد اتضح للعالم أجمع، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن «مفاتيح اللعب» فى الشرق الأوسط تتجمع كلها فى القاهرة ، فالدبلوماسية المصرية التى تتحرك باتزان وقوة لفرض التهدئة ووقف نزيف الدماء ومنع انزلاق المنطقة نحو الهاوية هى ذاتها التى توفر الغطاء السياسى والأمنى لهذا النمو الاقتصادى المتسارع، فالمستثمر لا يضع أمواله إلا فى «أرض ثابتة» يحميها جيش وطنى قوى ودولة مؤسسات راسخة تدرك تمامًا كيف تحمى مصالحها القومية بمختلف أشكالها ودوائرها.
هذه هى المعادلة المصرية الصعبة، بناء فى الداخل ودور ريادى فى الخارج، فمصر التى تبنى الموانئ وتدشن الممرات اللوجستية بـ 129 مليار جنيه هى نفسها مصر التى تقود جولات التباحث وتستقبل وزراء خارجية العالم لتؤكد دورها كـ «صمام أمان» للمنطقة وللعالم أجمع، وهو ما يبرهن على أن الرؤية المصرية «2030» لم تكن مجرد شعارات، بل كانت خطة عمل محكمة لحجز مقعد ريادى فى نظام التجارة العالمى الجديد، حيث يتم توطين الصناعات وتحويل الموانئ إلى قلاع صناعية تُصنّع فيها المواد الخام وتُصدّر كمنتجات نهائية تحمل فخر الصناعة المصرية.
أقولها بملء الفيه، أننا نعيش لحظة فارقة فى تاريخنا الحديث، لحظة «الحصاد» لسنوات من الصبر والتحمل وبناء الأساسات المتينة، فمصر اليوم تثبت للجميع، كما نقول فى أمثالنا الشعبية إن «اللي بيتعب بيلقى» وأن مئات المليارات، التى ضُخت فى البنية التحتية لم تكن مضيعة للمال كما روج البعض، بل كانت هى طوق النجاة، الذى جعل اقتصادنا صامدًا وجعل من بلدنا قبلة للتجارة العالمية، واليوم ونحن نرى السفن العملاقة تتسابق على أرصفتنا والشاحنات الدولية تعبر طرقنا، ندرك أننا دولة فتية قررت ألا تعيش على الهامش، بل قررت أن تكون هى «المحور» والوجهة والقرار.
مصر بفضل قيادتها التى تنظر بعيدًا للمستقبل، وبفضل وعى شعبها الذى يساند دولته، اسكتت أفواها كثيرة كانت تراهن على الفشل، وها هى الحقائق تنطق على الأرض فى العريش ودمياط والسخنة والإسكندرية وغيرها، لتظل القاهرة دائمًا وأبدًا هى «الرمانة»، التى تضبط إيقاع الاستقرار والازدهار فى قلب العالم، وهى الحارس الأمين لحركة التجارة بين الشرق والغرب، والضمانة الحقيقية لاستدامة النمو والرخاء لهذا الشعب العظيم، الذى يستحق دائمًا الأفضل.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن