يعد القطاع اللوجستي في سلطنة عُمان ركيزة أساسية لـ رؤية عُمان 2040 للتنويع الاقتصادي، حيث يستغل الموقع الاستراتيجي والبنية التحتية المتطورة للموانئ والمطارات (مثل صلالة وصحار والدقم) لتعزيز التجارة غير النفطية، إذ يساهم القطاع بنمو سوق العمل، جذب الاستثمارات، ورفع إيرادات الدولة، مع استثمارات ضخمة تُقدر بـ 3.4 مليار ريال عماني عام 2025.
ويمثل القطاع اللوجستي إحدى الركائز الأساسية التي تعول عليها سلطنة عُمان لتعزيز التنويع الاقتصادي وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية، في ظل ما تتمتع به من موقع جغرافي استراتيجي يربط بين قارات العالم، وما شهدته من استثمارات متسارعة في تطوير الموانئ والمطارات وشبكات النقل الحديثة، الأمر الذي أسهم في تعزيز قدرتها على استقطاب حركة التجارة الدولية، وفتح آفاق واسعة أمام القطاع الخاص للمساهمة في تنمية هذا القطاع الحيوي، إلى جانب دوره في توليد فرص عمل متنوعة واستيعاب الكفاءات الوطنية في مجالات تخصصية متنامية، وتعزيز حضور الكوادر الوطنية في سوق العمل من خلال توفير وظائف مباشرة وغير مباشرة في مختلف الأنشطة اللوجستية.
ولا شك أن القطاع اللوجستي بات اليوم أحد القطاعات الحيوية التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة في تعزيز النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، وفي سلطنة عُمان تزداد أهمية هذا القطاع نظرا للموقع الجغرافي المميز الذي تتمتع به السلطنة على خطوط الملاحة الدولية التي تربط بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، مع إشراف سلطنة عُمان على بحار مفتوحة تضم خطوط الشحن الدولية ليتكامل ذلك مع شبكة طرق برية حديثة ومطارات تجعل منها معبرا مهما وبوابة عبور بضائع للمنطقة. بما يسهم في ترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمركز لوجستي إقليمي يخدم حركة التجارة بين الأسواق العالمية.
وبعد مرور أكثر من ست سنوات مع تولي السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم في عُمان عام 2020، شهدت سلطنة عُمان استثمارات كبيرة في تطوير البنية الأساسية المرتبطة بالقطاع اللوجستي، سواء من خلال تطوير الموانئ البحرية أو إنشاء مناطق اقتصادية خاصة وحرة مرتبطة بها، إضافة إلى تطوير شبكات الطرق والنقل، وأسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز قدرة سلطنة عُمان على استقطاب حركة التجارة الدولية، وأوجدت بيئة مناسبة لنمو الأنشطة اللوجستية المرتبطة بالتخزين وإعادة التصدير وإدارة سلاسل الإمداد.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن القطاع اللوجستي يمثل أحد الممكنات الرئيسية لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي عبر كل الخطط الخمسية للتنمية الاقتصادية، كما أنه يشكل فرصة مهمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز دور القطاع الخاص في مختلف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالتجارة الدولية.
تتطلب المرحلة المقبلة دورا أكبر وأكثر فاعلية من القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيس لنمو القطاع اللوجستي في سلطنة عُمان. لأن المقومات التي تمتلكها سلطنة عُمان تؤهلها لتكون مركزا لوجستيا إقليميا يخدم حركة التجارة بين الشرق والغرب.
وقد حان الوقت لانتقال القطاع الخاص من دور الشريك الداعم إلى دور القائد في تطوير الأنشطة اللوجستية، عبر الاستثمار في خدمات النقل والتخزين، وسلاسل الإمداد، والتقنيات الحديثة المرتبطة بإدارة العمليات اللوجستية، بما يسهم في تعظيم القيمة المضافة لهذا القطاع الحيوي.
المؤكد أن تعزيز حضور القطاع الخاص في القطاع اللوجستي يتماشى مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040"، التي تضع اللوجستيات ضمن القطاعات الاقتصادية الواعدة القادرة على دعم التنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة. لأن تطوير الكفاءات الوطنية وتوفير بيئة أعمال محفزة للاستثمار يمثلان عنصرين أساسيين لتمكين الشركات العُمانية من قيادة هذا التحول.
كما أن تعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص يعد ركيزة أساسية لتطوير قطاع الخدمات اللوجستية، وجذب الاستثمارات، ورفع تنافسية سلطنة عُمان بوصفها مركزا لوجستيا إقليميا قادرا على تلبية احتياجات الأسواق الإقليمية والدولية. خاصة أن سلطنة عُمان تمتلك مجموعة من المقومات التي تمنحها ميزة تنافسية واضحة في هذا المجال، في مقدمة هذه المقومات الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يطل مباشرة على خطوط التجارة العالمية خارج مضيق هرمز، وهو ما يمنح الموانئ العُمانية ميزة إضافية من حيث سهولة الوصول والأمان الملاحي.
كما تمتلك السلطنة منظومة متطورة من الموانئ البحرية العميقة مثل ميناء صلالة وميناء صحار وميناء الدقم، وهي موانئ قادرة على استقبال السفن العملاقة التي تعبر خطوط التجارة العالمية، وتقدم خدمات متقدمة في مجالات الشحن والتفريغ والتخزين وإعادة التصدير.
وأيضاً فإن ارتباط هذه الموانئ بالمناطق الاقتصادية والحرة يعزز من قدرتها على تقديم خدمات لوجستية متكاملة تشمل الصناعات المرتبطة بالتجارة والخدمات البحرية والتخزين وإدارة سلاسل الإمداد، وهو ما يجعل سلطنة عُمان قادرة على أداء دور محوري في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
وتعد المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم مركزا لوجستيا إقليميا متناميا، يخدم حركة الواردات وإعادة التصدير، ويؤدي دورا محوريا كمركز لتجميع البضائع وتوزيعها نحو الأسواق الإقليمية والدولية، كما يعد موقع ميناء صلالة محوريا في خدمة حركة الترانزيت العالمية، نظرا لقربه من خطوط الملاحة الدولية وقدرته على استقبال السفن العملاقة، وإعادة توزيع البضائع إلى موانئ إقليمية، كما أن معبر الربع الخالي يشكل رافدا مهما لتعزيز الربط البري بين سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون الخليجي، بما يسهم في تنشيط حركة الترانزيت للبضائع.
ولا شك أن ثمة متطلبات لزيادة قدرة وفاعلية قطاع اللوجستيات في التنويع الاقتصادي، أول المتطلبات يتمثل في توحيد الجهات المشرفة عليها، بما يسهم في تسريع الإجراءات، ورفع كفاءة التشغيل، وتوسيع حجم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموانئ، وتعظيم مساهمة القطاع اللوجستي في الاقتصاد الوطني.
فمن خلال وضع الموانئ والمناطق الاقتصادية والحرة تحت مظلة واحدة، وتوحيد الجهات المشرفة عليها ضمن إطار مؤسسي متكامل يسهم في تعزيز كفاءة التنسيق، وتسريع الإجراءات، ورفع مستوى التكامل بين مختلف مكونات القطاع اللوجستي.
ثاني المتطلبات يتمثل في تبسيط الإجراءات التنظيمية، وتطوير التشريعات الداعمة، وتبني الحلول الرقمية الحديثة، بما يسهم في تحسين بيئة الأعمال، وزيادة جاذبية الاستثمار، وتمكين سلطنة عُمان من تعظيم الاستفادة من موقعها الاستراتيجي وترسيخ مكانتها كمركز لوجستي إقليمي منافس.
أما ثالث المتطلبات يتمثل في ربط الموانئ مع المطارات عبر خدمات "Sea–Air" إذ يعد ذلك من أهم النماذج الحديثة في قطاع اللوجستيات، ويمكن أن يشكل محورا استراتيجيا قويا لسلطنة عُمان، خصوصا مع وجود موانئ مثل ميناء صلالة والدقم وصحار ومطارات قريبة منها، حيث تتجه العديد من دول العالم اليوم نحو البحث عن خدمات سريعة تسهم في تقليل الوقت والتكلفة، وتبرز موانئ سلطنة عُمان بموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب، مما يعزز من قدرتها على تقديم حلول لوجستية متكاملة وتنافسية على المستوى الإقليمي والدولي.
فقد آن الأوان للانتقال من نموذج تقديم الخدمات اللوجستية المعتمد على النقل والشحن إلى نموذج أكثر تقدما يقوم على بناء مركز إقليمي متكامل لإعادة التصدير، مدعوم بمنظومات تخزين حديثة وخدمات متطورة لسلاسل الإمداد، وبما يعزز الترابط الفعّال بين الموانئ والمنافذ البرية.
وفي هذا السياق، يعتبر السوق الإفريقي من الأسواق الواعدة ذات الأهمية الاستراتيجية لسلطنة عُمان، نظرا لقربه الجغرافي وتنامي الطلب فيه على العديد من المنتجات، ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء موانئ خدمية صغيرة مخصصة لاستقبال السفن الخشبية سيسهم بشكل فاعل في تعزيز الربط التجاري مع دول القرن الإفريقي، وفتح قنوات تصدير مرنة ومنخفضة التكلفة، كما سيعمل ذلك على دعم انتشار المنتج العُماني في هذه الأسواق، وزيادة حجم الصادرات، وتحفيز النشاط التجاري، بما يعزز من دور سلطنة عُمان كمركز لوجستي إقليمي يخدم حركة التجارة مع القارة الإفريقية.
يتمثل رابع المتطلبات والمقتضيات اللازمة لزيادة كفاءة القطاع اللوجيستي، في تعزيز مواءمة مخرجات التعليم في عُمان مع احتياجات سوق العمل وهو ما يمثل أحد التحديات المهمة التي ينبغي العمل عليها خلال المرحلة المقبلة، ومن المهم في هذا الإطار تعزيز الشراكة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص من أجل تطوير برامج أكاديمية وتدريبية متخصصة في مجالات إدارة الموانئ وسلاسل الإمداد والنقل الدولي، كما أن التدريب العملي والتأهيل المهني يمثلان عنصرين أساسيين في إعداد كوادر وطنية قادرة على العمل في هذا القطاع بكفاءة عالية، ولذلك فإن توفير برامج تدريبية بالتعاون مع الشركات العاملة في القطاع اللوجستي يمكن أن يسهم بشكل كبير في إعداد الشباب العُماني للانخراط في هذه المهن.