تعد الفنانة الاستعراضية الكبيرة نعيمة عاكف واحدة من أبرز أيقونات الفن المصري، حيث بدأت رحلتها منذ طفولة غير تقليدية داخل عالم السيرك، وانتهت بمسيرة فنية حافلة جعلتها من أهم نجمات الرقص والاستعراض في تاريخ السينما المصرية.
النشأة والبداية داخل السيرك
وُلدت نعيمة عاكف في مدينة طنطا، حيث كان والدها يدير سيركًا متنقلًا يقدم عروضه خلال احتفالات مولد السيد البدوي.
وتنحدر أسرتها من محافظة قنا في صعيد مصر، إلا أنها وُلدت وسط أجواء السيرك المليئة بالحيوانات والعروض البهلوانية، حيث عمل جميع أفراد العائلة في هذا المجال.
منذ أن بلغت الرابعة من عمرها، حاول والدها تعليمها فنون السيرك، لكنها لم تكن متقبلة في البداية. فقام باستخدام أسلوب نفسي دفعها للغيرة من شقيقتها الكبرى، بعدما كان يشجع الأخت ويُقلل من قدر نعيمة، ما دفعها لتعلم الأكروبات سريعًا خلال أيام قليلة، ثم تفوقت على شقيقتها وأصبحت نجمة الفرقة رغم صغر سنها، حيث كانت تتشقلب وتغني وتبهر الجمهور.
وعندما بلغت السادسة، طالبت والدها بتخصيص مرتب شهري لها، وهددته بالعمل في سيرك آخر إن لم يوافق.
ورغم معاقبته لها في البداية، إلا أنه في النهاية خصص لها أجرًا يوميًا بسيطًا حسب أيام العمل أو التوقف.
بعد انتقال الأسرة إلى القاهرة نتيجة ظروف معيشية صعبة، بدأت نعيمة العمل في الصالات الفنية. ورفضت والدتها العمل في البداية، لكن بعد تعاقد الفنان الكوميدي علي الكسار معها ومع شقيقاتها مقابل 12 جنيهًا شهريًا، بدأت خطواتها الاحترافية الأولى.
لاحقًا، انتقلت إلى فرقة بديعة مصابني مقابل 15 جنيهًا، وهناك بدأت موهبتها تتألق بشكل أكبر، خاصة بعد تعلمها رقصة الكلاكيت بشكل ذاتي، حيث قلدت إحدى الراقصات وتعلمت الرقص خلال ساعتين فقط، وقدمت أول عرض لها أمام الجمهور ونالت إعجاب بديعة مصابني.
اكتشفها المخرج أحمد كامل مرسي وقدمها في فيلم “ست البيت”، ثم اختارها المخرج حسين فوزي لتشارك في فيلم “العيش والملح” عام 1949، والذي حقق نجاحًا كبيرًا.
بعد ذلك تعاقد معها فوزي واحتكر ظهورها في أفلامه، وقدّمها في بطولة فيلم "لهاليبو"، لتبدأ مرحلة جديدة من الشهرة، وتزوجها رغم فارق السن الكبير، ونقلها إلى فيلا في مصر الجديدة بعد أن كانت تقيم في شارع محمد علي.
قدمت خلال تلك الفترة عددًا من الأفلام الناجحة مثل: "بلدي وخفة"، "بابا عريس"، "فتاة السيرك"، "جنة ونار"، "تمر حنة"، و"يا حلاوة الحب".
وبعد 10 سنوات من الزواج، انفصلت عن حسين فوزي بهدوء بعد أن أخرج لها 15 فيلمًا، كان آخرها "أحبك يا حسن"، ثم تزوجت من المحاسب صلاح الدين عبد العليم وأنجبت منه ابنها الوحيد محمد.
حصلت نعيمة عاكف على شهرة عالمية بعد مشاركتها في مهرجان موسكو 1958، حيث نالت لقب أفضل راقصة في العالم من بين 50 دولة مشاركة، بفضل تنوع أدائها بين الباليه والرقص الشعبي والغربي.
كما عملت على تطوير نفسها علميًا، فتعلمت العربية والإنجليزية والفرنسية على يد مدرسين خاصين بعد أن شعرت أن السيرك حرمها من التعليم.
بدأت معاناتها الصحية أثناء تصوير فيلم "بياعة الجرايد" عام 1963، حيث تم تشخيص حالتها لاحقًا بسرطان الأمعاء.
خاضت رحلة علاج طويلة استمرت ثلاث سنوات، تخللتها أزمات صحية شديدة ونزيف في المعدة، وسافرت للعلاج على نفقة الدولة، لكن حالتها تدهورت بشكل مفاجئ.
توفيت نعيمة عاكف في 23 أبريل 1966 عن عمر 37 عامًا، بعد صراع مع المرض، وهي على ذمة زوجها الثاني، بعد مسيرة فنية امتدت نحو 25 فيلمًا من أبرزها "لهاليبوط و"أربع بنات وضابط".
رغم رحيلها المبكر، تركت نعيمة عاكف إرثًا فنيًا كبيرًا، وجمعت بين التمثيل والرقص والغناء والاستعراض، لتصبح واحدة من أهم الفنانات الشاملات في تاريخ السينما المصرية، وواحدة من أكثر النماذج التي جسدت رحلة كفاح استثنائية بدأت من السيرك وانتهت على قمة المجد الفني.