"عشاء المراسلين" يشعل نظريات المؤامرة

"عشاء المراسلين" يشعل نظريات المؤامرةعشاء المراسلين

الواقعة المثيرة للجدل، تشكل حلقة جديدة فى سلسلة تهديدات تعرض لها ترامب ، إذ تعد ثالث محاولة اغتيال خلال فترة زمنية قصيرة، بعد إصابته فى يوليو 2024 بطلق ناري فى طرف أذنه العلوي خلال تجمع انتخابى بولاية بنسلفانيا ، قبل أن يتم قتل المهاجم على يد أفراد الأمن.

وفى سبتمبر من العام نفسه، أحبطت محاولة أخرى عندما رصدت الخدمة السرية مسلحا مختبئا بين الشجيرات فى نادي ترامب للجولف فى فلوريدا ، وتبين لاحقا أن المتهم خطط للهجوم لعدة أشهر، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد.

وجاء حادث عشاء مراسلى البيت الأبيض ، الذى كان ترامب يحضره للمرة الأولى كرئيس، بعد أن حضره آخر مرة عام 2011 بصفته مواطناً عادياً، لتثير الجدل بشأن الإجراءات الأمنية، حيث كشفت وسائل إعلام عالمية، بينها "بى بى سى"، عن ثغرات واضحة فى منظومة تأمين الرئيس الأمريكى.

فى هذا السياق، أشار مراسلون ممن حضروا الحفل إلى أن إجراءات الدخول إلى الفندق لم تكن صارمة، حيث اكتفى بعض أفراد الأمن بنظرة سريعة على التذاكر دون التحقق من الهويات. كما أن التذاكر نفسها كانت تحمل أرقام الطاولات فقط، دون أسماء الضيوف.

وحسب الروايات، لم يمر الحضور عبر نقطة تفتيش أمنية مزودة بأجهزة للكشف عن المعادن إلا مرة واحدة، فى الطابق الذى يعلو قاعة الاحتفالات. كما أن إمكانية دخول الفندق لم تكن مقيدة بشكل كامل، فعلى الرغم من أنه تم إغلاق الفندق أمام الجمهور قبل ساعات من بدء الفعالية يوم السبت 25 أبريل، إلا أنه سمح لنزلاء الفندق ومن يحملون تذاكر لحضور العشاء أو حفلات الاستقبال التى أقيمت فى المكان، بالدخول دون تدقيق كاف.

فى هذا الصدد، قالت الشرطة الأمريكية إن المشتبه به كول توماس ألين (31 عاما) كان نزيلاً بالفعل فى الفندق، وتمكن من التواجد داخله قبل الحدث بأيام.

هذه الثغرات الأمنية دفعت شخصيات دبلوماسية وإعلامية إلى انتقاد ترتيبات حماية الرئيس الأمريكى، إذ اعتبر كيم داروك، السفير البريطانى السابق لدى واشنطن، والذى سبق له حضور حفلات عشاء للمراسلين، أن أى ضيف فى الفندق لديه نوايا سيئة كان يمكنه تجاوز الإجراءات الأمنية بسهولة والوصول إلى قاعة الاحتفالات.

وفى أعقاب الحادث، حسب إفادات مصادر متعددة لشبكة "سى إن إن"، جرت بالفعل نقاشات داخل الإدارة الأمريكية وجهاز الخدمة السرية حول كيفية التعامل مع مثل هذه الفعاليات مستقبلا، خاصة فيما يتعلق بحضور عدد كبير من كبار المسئولين فى مكان واحد.

وذكرت " سى إن إن "، أنه كان هناك بالفعل تحفظات سابقة داخل جهاز الخدمة السرية بشأن حضور الرئيس ونائبه فعاليات مشتركة خارج البيت الأبيض.

من جانبه، سارع ترامب إلى توظيف الحادث لصالحه سياسيا، مقدما نفسه باعتباره مستهدفا بسبب تأثيره السياسى، ففى رده على تساؤل أحد الصحفيين: "لماذا تعتقد أن هذا الأمر يتكرر معك؟"، قال ترامب "حسنًا، كما تعلمون، لقد درست الاغتيالات.. وأقول لكم إن أكثر الناس تأثيرًا، أولئك الذين يُحدثون الأثر الأكبر، هم من يُستهدفون".

وأضاف "يؤسفنى أن أقول إننى أتشرف بذلك، لكننى أنجزت الكثير. لقد غيرنا البلاد، وكثير من الناس غير راضين عن ذلك. لذا أعتقد أن هذه هى الإجابة".

كما تبنى البيت الأبيض خطابا يحمل "اليسار" مسئولية تأجيج العنف، وقالت المتحدثة باسم الرئاسة الأمريكية كارولاين ليفيت، فى مؤتمر صحفى، إن "طائفة الكراهية اليسارية ضد الرئيس وكل من يدعمه ويعمل لصالحه تسببت فى إصابة ومقتل العديد من الأشخاص، وكادت تكرر ذلك فى نهاية الأسبوع".

لكن اللافت كان استغلال ترامب للحادث للدفاع عن مشروع إنشاء قاعة احتفالات جديدة داخل البيت الأبيض، بتكلفة تقدر بنحو 400 مليون دولار، حيث كتب على موقع "تروث سوشيال" أن ذلك ما كان ليحدث "مع وجود قاعة الاحتفالات العسكرية السرّية للغاية قيد الإنشاء حالياً".

ويواجه مشروع بناء القاعة تحديات قانونية، وذلك بعد أن رفعت المؤسسة الوطنية للحفاظ على التراث التاريخى دعوى قضائية فى ديسمبر الماضى، تفيد بضرورة موافقة الكونجرس، وصدور حكم قضائى فى أواخر مارس، بوقف أعمال البناء قبل استئنافها لحين انعقاد جلسة استماع أخرى، من المقرر عقدها فى 5 يونيو المقبل.
محاولات الرئيس الأمريكى وإدارته استغلال الحادث أشعلت موجة جديدة من نظريات المؤامرة، وقالت صحيفة "ذا هيل" إن آلاف المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعى فى جميع أنحاء البلاد تشير إلى أن الحادثة "مفبركة" أو مزيفة بطريقة ما.

وتنوعت الأسباب التى ذكرها المستخدمون لمثل هذه الخدعة، من الرغبة فى صرف الانتباه عن تراجع شعبية ترامب أو عن الحرب على إيران، إلى الحاجة لتبرير قاعة الاحتفالات التى يرغب ترامب فى إنشائها فى البيت الأبيض.

بينما يشير آخرون إلى الصراع المستمر فى الكونجرس حول تمويل وزارة الأمن الداخلى، وهى نقطة ركز عليها الجمهوريون منذ حادثة حفل عشاء مراسلى البيت الأبيض، حيث يحذرون من أن أمريكا وكبار المسئولين الأمريكيين أقل أماناً بدون تمويل أمنى مناسب.

وحسب صحيفة "التليجراف" البريطانية، استند أصحاب نظرية المؤامرة إلى حضور ترامب غير المعتاد فى الفعالية وضعف الإجراءات الأمنية، لتعزيز مزاعمهم.
وأشار لارى جونسون، المدوّن والعميل السابق فى وكالة الاستخبارات المركزية، إلى أن الجميع "كانوا يختبئون خلف الطاولات، بينما كان ترامب يجلس هناك وينظر حوله بهدوء"، متسائلا: "هل كان يعلم أن هذا سيحدث؟ هل كان هذا مدبراً؟ أعتقد أنه كان مدبرا".

تزامنا مع ذلك، أعادت الواقعة تسليط الضوء على تنامى العنف السياسى فى الولايات المتحدة، إذ تشير البيانات إلى تزايده فى السنوات الأخيرة، حيث سجلت شرطة الكابيتول أكثر من 8000 تهديد فى عام 2023، بزيادة قدرها 50٪ مقارنة بعام 2018. وقالت "بى بى سى" إن اغتيال الناشط السياسى المحافظ تشارلى كيرك فى ولاية يوتا العام الماضى كشف عن مزيد من الانقسامات السياسية الحادة فى أمريكا. وقبلها بشهور، قُتلت النائبة الديمقراطين عن ولاية مينيسوتا، ميليسا هورتمان وزوجها مارك بالرصاص، بينما تعرض زوج رئيسة مجلس النواب الديمقراطية السابقة نانسى بيلوسى، بول، لهجوم بمطرقة وأصيب بكسر فى الجمجمة.

أضف تعليق