فى ظل التحول العالمى نحو «الطب الشخصي»، يبرز مشروع الجينوم المصري كأحد أهم المشروعات العلمية التى قد تعيد تشكيل خريطة العلاج فى مصر، خاصة فى مجالات حساسة مثل أمراض الكبد والأمراض المعدية.
فى هذا الحوار، يوضح د. أشرف عمر، أستاذ الكبد واستشارى زراعة الكبد والأمراض المعدية بالقصر العيني، كيف يمكن للبيانات الجينية أن تغيّر قواعد اللعبة.
فى البداية.. ما الذى يضيفه مشروع الجينوم المصرى للمنظومة الصحية؟!
إن مشروع الجينوم المصرى يمثل «نقلة نوعية حقيقية»، لأنه لأول مرة يتم بناء قاعدة بيانات جينية تعكس الخصائص الوراثية للمصريين.
لقد كنا نعتمد لسنوات طويلة على أبحاث أجريت على شعوب مختلفة جينيًا، وهو ما كان يخلق فجوة بين النتائج العلمية والتطبيق الفعلى داخل مصر. فالجينوم المصرى يملأ هذه الفجوة، ويمنحنا مرجعًا علميًا دقيقًا نُبنى عليه قراراتنا العلاجية.
كيف يغيّر الجينوم مفهوم العلاج التقليدي؟!
أن الطب التقليدى كان قائمًا على «بروتوكول واحد يناسب الجميع»، بينما الطب الجينى يغيّر هذا المفهوم جذريًا.
واليوم نحن نتجه نحو علاج مصمم لكل مريض وفق تركيبه الوراثي، فنفس المرض قد يحتاج أدوية مختلفة من شخص لآخر، بل جرعات مختلفة أيضًا، بحسب الجينات.
لماذا كانت بعض الأدوية تعطى نتائج أفضل فى أوروبا مقارنة بمصر؟!
السبب الرئيسى هو الاختلاف الجينى بين الشعوب، فكثير من الأدوية تم تطويرها وتجريبها على مجموعات سكانية أوروبية، وبالتالى كانت نتائجها ممتازة هناك، لكن عند استخدامها فى مصر، لم تكن بنفس الكفاءة دائمًا.
فالجينات تتحكم فى كيفية امتصاص الدواء، وتكسيره داخل الجسم، وحتى فى استجابة الخلايا له، لذلك، اختلاف التركيب الوراثى يعنى اختلاف النتيجة العلاجية.
وهل يظهر هذا الاختلاف بشكل واضح فى أمراض معينة؟!
فى أمراض الكبد، مثل الالتهاب الكبدى الفيروسي، لاحظنا تاريخيًا تفاوتًا فى الاستجابة للعلاج بين المرضى، ومع الدراسات الجينية، بدأنا نفهم أن هناك طفرات جينية تؤثر على كفاءة العلاج.
أما فى الأمراض المعدية، فطبيعة الميكروبات نفسها تختلف من منطقة لأخرى، وكذلك استجابة الجهاز المناعي، وهو ما يجعل البروتوكولات العلاجية بحاجة إلى تكييف محلي.
كيف سينعكس هذا الفهم الجينى على البروتوكولات العلاجية؟! وخطط وزارة الصحة والجمعيات الطبية؟!
إن الجينوم سيسهم فى تطوير بروتوكولات أكثر دقة وفاعلية، فبدلاً من استخدام بروتوكولات مستوردة، سنتمكن من تصميم بروتوكولات علاجية مصرية، مبنية على بيانات حقيقية من المرضى المصريين، وليس البروتوكولات العلاجية فقط إنما من الأمور المهمة الخطط التى تضعها الدولة لمواجهة الأمراض وحملات التوعية بهذا الاكتشاف ستوجه للأمراض المنتشرة فعلا، أوضحت أمراضا لم نكن نعلم حجم انتشارها وبالتالى سيتم إعادة النظر فى كل خطط القطاع الصحى وحملات التوعية والاكتشاف المبكر للأمراض، مما ينعكس فى رفع نسبة الشفاء.
هل نحن على أعتاب تطبيق الطب الشخصى فعليًا؟!
إن الطريق بدأ بالفعل، لكنه يحتاج إلى تكامل عدة عناصر مثل ربط البيانات الجينية بالسجلات الطبية، وتدريب الأطباء على تفسيرها، وتوفير اختبارات جينية بتكلفة مناسبة. هذه المنظومة هى ما سيحوّل البحث العلمى إلى ممارسة يومية داخل المستشفيات.
أخيرًا.. كيف ترى مستقبل الطب فى مصر مع هذا التحول؟!
«نحن أمام مرحلة جديدة تمامًا، الجينوم المصرى لا يغيّر فقط طريقة العلاج، بل يغيّر فلسفة الطب نفسها، المريض لم يعد رقمًا فى بروتوكول، بل حالة فريدة لها خريطتها البيولوجية الخاصة.
فإذا استطعنا استثمار هذا المشروع بشكل صحيح، فسننتقل من استهلاك المعرفة الطبية إلى إنتاجها، ومن تطبيق بروتوكولات عالمية إلى صناعة بروتوكولات تناسبنا».