لقد سعدت وتشرفت بدعوة كريمة من إدارة المجمع العلمى المصرى للمشاركة فى ندوة بعنوان (الطب والجراحة فى مصر القديمة) ألقاها الجراح العالمى ا.د.جمال مصطفى سعيد أستاذ الجراحة الأورام جامعة القاهرة، بحضور ا.د.فاروق إسماعيل رئيس المجمع العلمى ا.د.محمد الشرنوبى أمين عام المجمع ا.د.عصام شرف رئيس وزراء مصر الأسبق والقاضى الجليل المستشار محمد شيرين فهمى وسفير أسبانيا فى مصر السيد سيرجيو كارانزا، ا.د.جمال شقرة أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس و الكاتب الصحفى القدير الأستاذ أحمد الجمال ونخبة من المفكرين، وبشكل شخصى تأثرت بتلك الندوة الماتعة تأثيرا كبيرا من الناحية الفكرية والعلمية جعلتنى أكتب الآن مقالى هذا لتوثيق ما إستنتجته من أفكار وإفادة القراء الأعزاء بها مستعرضا رأيي ووجهة نظرى، ففي مصر القديمة، لم يكن الطبُّ علما منفصلا عن السِّحر والدِّين، بل كان نسيجا واحدا تتداخل فيه العقيدة بالممارسة، فقد آمن المصريون القدماء بأنّ المرض لا يعود فقط إلى أسبابٍ عضويّة، بل قد يكون نتيجة قوى خفيّة، ومن ثمّ جمع العلاج بين الوصفات الطبيّة والتعاويذ السحريّة، وبرع الأطبّاء في الجراحة؛ فعرفوا خياطة الجروح، وتجبير الكسور، وأجروا بعض التدخّلات الدقيقة، مستفيدين من معرفة تشريحيّة إكتسبوها عبر التحنيط، الذي لم يكن طقسا دينيّا فحسب، بل مصدرا مهمّا لفهم بنية الجسد ووظائفه.
كما إرتبط الطب بالحماية الإلهيّة، فكان الطبيب كاهنا في أحيانٍ كثيرة، يستدعي قوى الشفاء، ويتجلّى ذلك في رمزيّة الإله حورس، حيث أصبحت "عين حورس" علامةً للحماية، ومنها جاء المثل الشعبي: "العين عليها حارس"، وأصله "العين عليها حورس"، وعلى الجانب الآخر وقد وثّق المصريون القدماء معارفهم الطبيّة في عدد من البرديّات الشهيرة، مثل برديّة إدوين سميث وبرديّة إيبرس، اللتين تضمّنتا وصفا دقيقا للحالات المرضيّة، وطرق التشخيص، وأساليب العلاج، ممّا يدلّ على منهجيّة علميّة مبكّرة تجمع بين الملاحظة والتجربة، إلى جانب البُعد السحري والديني، وبذلك فقد حفظت البرديّات الطبيّة هذا التراث، كدليلٍ مبكّر على تطوّر التفكير العلمي عند المصري القديم.
وختاما وجهة نظرى أنه يمكن للطب الحديث أن يستفيد من هذه التجربة في تبنّي النظرة الشموليّة للإنسان، التي تراعي البعد النفسي والروحي إلى جانب الجسدي، وكذلك في تقدير الخبرات التراكميّة القديمة، التي أسهمت في نشأة الجراحة والتشخيص، وهكذا يكشف الطب عند الفراعنة عن رؤية متكاملة للإنسان، تجعل من العلاج علما وإنسانا في آنٍ واحد، وللحديث بقية إن شاء الله.
للتواصل مع الكاتب من خلال هذا الميل: [email protected]