في ظل الاهتمام المتزايد بالأطعمة الصحية و البدائل الغذائية المفيدة ، يعود “ عيش الشعير ” إلى الواجهة بوصفه واحدًا من أقدم أنواع الخبز وأكثرها قيمة غذائية . ولم يكن الشعير مجرد طعام تقليدي، بل ارتبط في الثقافة الإسلامية بالتلبينة التي أوصى بها النبي ، لما لها من دور في التخفيف عن المريض وتحسين الحالة النفسية.
ومع تطور الدراسات العلمية، بدأ الباحثون يكشفون أسرار هذا الحبوب القديمة وتأثيرها الإيجابي على الهضم ، و المناعة ، وتنظيم السكر ، وحتى تحسين المزاج والشعور بالشبع.
ويقول الدكتور أحمد أبو الريش أخصائي التغذية العلاجية إن دقيق الشعير يُعد من الحبوب القديمة ذات القيمة الغذائية المرتفعة، موضحًا أن التلبينة المحمدية تُصنع أساسًا من دقيق الشعير ، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف أنها “مجمّة لفؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن”، وهو ما تؤيده الأبحاث الحديثة التي كشفت تأثير الشعير الإيجابي على الصحة النفسية والجسدية.
وأوضح أن الشعير يحتوي على نوع مميز من الألياف الذائبة يُعرف باسم “بيتا جلوكان”، وهي ألياف تساعد على إبطاء عملية امتصاص الغذاء داخل الجسم، ما يساهم في وصول العناصر الغذائية بصورة تدريجية وثابتة، ويمنح الجسم طاقة مستقرة لفترات أطول.
وأشار إلى أن نسبة هذه الألياف في الشعير تفوق الموجودة في الشوفان بحوالي ثلاثة أضعاف ، وهو ما يجعلها عنصرًا مهمًا لصحة القولون والبكتيريا النافعة داخل الأمعاء، أو ما يُعرف بـ”الميكروبيوم”، حيث تعمل هذه الألياف على تغذية البكتيريا المفيدة وزيادة نشاطها .
وأضاف أن نحو 90% من هرمون السيروتونين المسؤول عن تحسين الحالة المزاجية يُنتج داخل الأمعاء بواسطة البكتيريا النافعة، لذلك فإن تحسين صحة الأمعاء ينعكس بشكل مباشر على تقليل التوتر وخفض مستويات الالتهابات وهرمون الكورتيزول المرتبط بالإجهاد النفسي.
وأكد أن أي غذاء يدعم نمو البكتيريا النافعة يساهم في تقوية جهاز المناعة وتنظيم كفاءته ، لافتًا إلى أن الشعير يحتوي أيضًا على مركب نادر يُعرف باسم “Hordenine”، وهو مركب يساعد على تنشيط المعدة وتحسين الحالة المزاجية.
وفيما يتعلق بصحة الجهاز الهضمي ، أوضح أن تناول الشعير قد يساعد بشكل ملحوظ في تحسين حالات الإمساك، بفضل احتوائه على الألياف الذائبة التي تدعم حركة القولون وتساعد على تحسين البيئة البكتيرية داخل الأمعاء.
كما يحتوي الشعير على مجموعة متكاملة من فيتامينات B، مثل B1 وB3 وB6، وهي عناصر ضرورية لإنتاج الطاقة، ودعم صحة الأعصاب، وتقوية المناعة، وتحسين الحالة النفسية.
وأشار الدكتور أحمد إلى أن الشعير يُعد خيارًا مناسبًا للراغبين في إنقاص الوزن، ليس فقط بسبب قدرته العالية على تعزيز الشعور بالشبع، بل لأنه يساهم أيضًا في تحفيز هرمونات الشبع الطبيعية داخل الجسم، مثل PYY وGLP-1 وتحسين حساسية هرمون “اللبتين”.
وأوضح أن هرمون GLP-1 هو نفسه الهرمون الذي تعتمد عليه بعض أدوية التخسيس الحديثة، مثل Ozempic وSaxenda ، حيث يساعد الشعير على رفع مستوياته بشكل طبيعي من خلال إبطاء امتصاص النشويات، وتحسين حساسية الإنسولين ، وتعزيز تخمير الألياف داخل القولون وإنتاج المركبات المفيدة المعروفة بـSCFAs.
وأضاف أن الدراسات الحديثة أثبتت وجود تفسير علمي واضح للتوصية النبوية بالتلبينة في أوقات الحزن والمرض، نظرًا لدورها في تقليل التوتر، وتحسين المزاج، والمساعدة على النوم بصورة أفضل، إلى جانب تنظيم حركة القولون، وتقوية المناعة، وتقليل الالتهابات، وتعزيز الإحساس بالشبع لفترات طويلة.
وأكد أن الشعير يُعد من الأطعمة الصديقة لمرضى السكري ، نظرًا لانخفاض مؤشره الجلايسيمي ، ما يعني أنه لا يرفع مستويات السكر في الدم بصورة سريعة، كما أنه من أغنى الحبوب بألياف “بيتا جلوكان” المرتبطة علميًا بالمساعدة في تحسين مستويات الكوليسترول الضار LDL ودعم صحة القلب.