يعكس انضمام مخطط مسقط الكبرى إلى نادي الابتكار للمناطق التجاريَّة العالميَّة تطورًا لافتًا في موقع العاصمة العُمانيَّة على خريطة المدن العالميَّة. ويشير إلى انتقال تدريجي من نطاق التخطيط المحلي إلى مستوى أوسع من التفاعل مع التجارب الدوليَّة في تطوير المراكز الحضريَّة، حيث تنضم مسقط إلى شبكة تضم عددًا من المناطق الاقتصاديَّة التي تمثِّل نماذج متقدمة في تنظيم بيئات الأعمال وتعزيز جاذبيَّة المدن للاستثمار، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الاعتراف الرمزي، وتفتح المجال أمام تبادل الخبرات والاستفادة من الممارسات العالميَّة في مجالات التخطيط العمراني والاقتصاد الحضري، بما يدعم بناء منظومة أكثر تكاملًا بين البنية الأساسيَّة والأنشطة الاقتصاديَّة، ويعزز من قدرة المدينة على استقطاب الاستثمارات النوعيَّة وربطها بقطاعات إنتاجيَّة واعدة، وهو ما يظهر توجهًا نحو تطوير بيئة حضريَّة أكثر كفاءة ومرونة، قادرة على التكيف مع متغيرات السوق، وتوفير مقومات النمو المستدام، وهو ما يمنح مسقط فرصة لترسيخ موقعها كمركز حضري قادر على المنافسة ضمن مشهد إقليمي ودولي يتجه بشكل متسارع نحو الابتكار وتعظيم القيمة الاقتصاديَّة للمدن.

ينقل هذا الانضمام النقاش من حدود التخطيط العمراني إلى فضاء الاقتصاد الحضري؛ بوصفه محركًا رئيسًا للنمو، حيث تتجه المدن العالميَّة إلى بناء نماذج إنتاجيَّة قائمة على التكامل بين الأنشطة الاقتصاديَّة والبنية الحضريَّة، وهو ما يظهر في تجربة مناطق مثل حي لا ديفانس للأعمال في باريس والمنطقة المركزيَّة للأعمال في شيكاغو (اللوب) التي تحولت إلى مراكز تدير حركة الأعمال والاستثمار. ويضع هذا السياق مخطط مسقط الكبرى أمام فرصة لتأسيس نموذج مشابه يستند إلى بناء تكتلات اقتصاديَّة متخصصة، تُعِيد توزيع الأنشطة داخل المدينة، وتخلق بيئة عمل متكاملة قادرة على جذب الشركات وتعزيز الإنتاجيَّة، في إطار يعكس تحولًا تدريجيًّا في دور العاصمة من مركز إداري إلى منصة اقتصاديَّة فاعلة ترتبط بحركة السوق وتشارك في تشكيلها.

إن التحول نحو بناء بيئة حضريَّة متكاملة يضع جودة الحياة في قلب المعادلة الاقتصاديَّة، حيث ترتبط جاذبيَّة المدن للاستثمار بقدرتها على توفير منظومة متوازنة تجمع بين البنية الأساسيَّة المتطورة، وشبكات النقل الحديثة، والخدمات التي تعزز استقرار الإنسان وإنتاجيَّته، وهو ما يعكس إدراكًا متقدمًا بأن المدينة الناجحة تقاس بقدرتها على تحقيق هذا التوازن بين متطلبات العمل والحياة داخل إطار حضري متكامل.

ويمنح هذا التوجُّه مسقط فرصة لتعزيز موقعها كمقصد للاستثمارات التي تبحث عن بيئات مستقرة وقابلة للنمو، خصوصًا في ظل التوجُّه العالمي نحو المدن التي توفر بيئة إنتاج مرنة تدعم الابتكار وتستوعب التحولات في طبيعة الأعمال، ويرتبط ذلك بشكل مباشر بتطوير منظومة النقل الحضري التي تسهم في رفع كفاءة الحركة داخل المدينة، وتقليل التكلفة الزمنيَّة للإنتاج، وتحسين جودة الخدمات، بما يعزز من كفاءة الاقتصاد الحضري ككل، ويجعل من المدينة بيئة أكثر جذبًا للشركات العالميَّة والمواهب، وهو ما يفتح المجال أمام بناء نموذج حضري قادر على تحقيق نمو مستدام يرتبط بالإنسان بوصفه محور العمليَّة التنمويَّة وأداتها في الوقت ذاته.
إن هذا التقدم يحمل دلالات إقليميَّة تتجاوز حدود العاصمة، حيث يضع مسقط في موقع متقدم ضمن مشهد حضري يتشكل في الشرق الأوسط، ويعكس نموذجًا يعتمد على التخطيط طويل المدى والبناء المتدرج الذي يركز على تحقيق نتائج قابلة للاستمرار، ويمنح هذا الانضمام المدينة مساحة أوسع للحضور داخل الشبكات الدوليَّة التي تصوغ مستقبل المدن والاقتصاد الحضري، ويعزز من قدرتها على جذب شراكات نوعيَّة تدعم تنفيذ المشروعات الاستراتيجيَّة وتسرع من وتيرة التنمية، ويرتبط ذلك بضرورة الحفاظ على الزخم من خلال تطوير آليَّات التنفيذ وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي والتكامل مع القطاع الخاص، بما يضمن تحويل هذا الحضور الدولي إلى نتائج اقتصاديَّة ملموسة تدعم تنافسيَّة المدينة، وتفتح آفاقًا أوسع لنموها ضمن بيئة إقليميَّة ودوليَّة تتجه نحو تعظيم دور المدن كمحركات رئيسة للاقتصاد.
السفير عبد الله الرحبي: عُمان تتطلع لتعزيز الشراكات الاستثمارية مع المطورين العقاريين المصريين
وفي سياق متصل وفي إطار الشراكة العُمانية المصرية في التطوير العقاري، شارك السفير عبد الله بن ناصر الرحبي، سفير سلطنة عُمان لدى مصر والمندوب الدائم لدى الجامعة العربية، في مؤتمر “The Investor” في دورته الخامسة، والذي يأتي استكمالًا لنجاحات الملتقى المصري– العُماني "عُمان– مصر.. أرض الفرص في نوفمبر الماضي"، الذي شكّل محطة مهمة في مسار تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وقد طرح السفير عبد الله الرحبي، التجربة العمانية في المجال العقاري والتعاون المشترك بين مصر وعُمان، وقال إن سلطنة عُمان تنطلق في مسيرتها التنموية وفق رؤية عُمان 2040، التي تضع في صميم أولوياتها تنويع الاقتصاد وتعزيز بيئة الاستثمار، ويأتي القطاع العقاري كأحد أهم محركات النمو، نظرًا لارتباطه الوثيق بالعديد من القطاعات الاقتصادية.
وأكد الرحبي، في كلمته أن القطاع العقاري العُماني، شهد نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، مدفوعًا بمشاريع استراتيجية كبرى، مثل مدينة السلطان هيثم، والمدن المستدامة، ومشاريع الواجهات البحرية، إلى جانب تطوير التشريعات وتبسيط الإجراءات، بما يعزز من جاذبية السوق العُمانية للمستثمرين.
وقال سفير عُمان في القاهرة، إن التجربة العُمانية في التطوير العقاري تقوم على أسس الاستدامة وجودة الحياة والتخطيط الحضري الحديث، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة للتعاون مع الأشقاء في جمهورية مصر العربية، الذين يمتلكون خبرات متميزة في هذا المجال.
ومن هذا المنطلق، أكد الرحبي، ترحيب سلطنة عُمان بالمطورين العقاريين من مصر الشقيقة، والتطلع إلى تعزيز الشراكات الاستثمارية، بما يسهم في تبادل الخبرات وتنفيذ مشاريع نوعية تلبي تطلعات البلدين. ولعل النجاحات التي حققتها الاستثمارات المصرية في عُمان، تمثل نموذجًا يُحتذى به في التعاون المثمر القائم على الثقة والمصالح المشتركة.
وأوضح الرحبي قائلاً إن القطاع العقاري العُماني يمثل محركًا رئيسيًا لعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية، مما يجعله ركيزة أساسية لتحقيق نمو مستدام، وخلق فرص استثمارية واعدة، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دولنا العربية.
وجه الرحبي خالص الشكر للجهات المنظمة، وأعلن عن الترتيب لعقد النسخة الثانية من مؤتمر (عُمان– مصر.. أرض الفرص) في مسقط خلال الخريف المقبل، لمواصلة البناء على ما تحقق من إنجازات والمتابعة في التوصيات التي صدرت عن ملتقى نوفمبر الماضي.
مدينة السلطان هيثم... إنجازات متواصلة
الجدير بالذكر أن مدينة السلطان هيثم تمضي بخطى ثابتة لتجسيد أحد أبرز النماذج العمرانية الحديثة في بناء المدن الجديدة؛ اعتمادًا على مفاهيم التخطيط الذكي والاستدامة وجودة الحياة. وقد تحوّل عام 2025 إلى مرحلة عمل مُكثَّف داخل الموقع؛ حيث اكتملت أعمال التهيئة والتسوية بنسبة 100%، وانطلقت الأعمال الإنشائية للطرق الرئيسية والعبّارات والأرصفة الجانبية، إلى جانب إنشاء شبكات الخدمات الأساسية، فيما سجّلت أعمال الجسور نسبة إنجاز تبلغ 25%، ووصلت محطات الكهرباء الأولية إلى 30%، ويعكس هذا التقدم جاهزية المدينة للانتقال إلى مراحل إنشائية أكثر شمولًا خلال الفترة المقبلة.
وشهد عام 2025 محطة مفصلية في مسيرة التطوير المتسارع لمدينة السلطان هيثم، بعد أن نجحت المدينة في توقيع حزمة من اتفاقيات الشراكة والتطوير تجاوزت قيمتها الإجمالية 1.9 مليار ريال عُماني؛ ما رسّخ موقعها كأحد أهم مراكز الاستثمار العمراني في سلطنة عُمان. وقد جاءت هذه الاتفاقيات لتفتح آفاقًا واسعة أمام تطوير أحياء سكنية وخدمية وسياحية متكاملة، ضمن نهج يعتمد على استقطاب الشركات الدولية الكبرى وتعزيز حضور المطورين المحليين في إطار رؤية وطنية شاملة.
وشهدت المدينة خلال هذا العام توقيع اتفاقية تطوير أحياء سكنية وأرض شاطئية مع مجموعة طلعت مصطفى باستثمار يتجاوز 1.7 مليار ريال عُماني، وهي من أكبر الاتفاقيات في تاريخ المدن المستقبلية بالسلطنة، وتؤسس لإنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة بمستويات عالمية من الجودة. كما تم توقيع اتفاقية مع شركة الإدراك للتطوير بقيمة 150 مليون ريال عُماني لتطوير مجموعة من الأحياء السكنية الجديدة، إلى جانب توقيع اتفاقية تطوير واحة الصاروج مع شركة الصاروج للتطوير بقيمة 35 مليون ريال عُماني؛ في إطار خطة تنويع المشروعات السكنية والخدمية داخل المدينة.
مدينة السلطان هيثم / السفير عبد الله الرحبي يلقي كلمة في مؤتمر المستثمر دورته الخامسة