صدمة الأطلسي !

صدمة الأطلسي !ترامب و ميرتس

لا يزال التوتر سيد الموقف بين الفاعلين الدوليين عبر الأطلسي ، والذى ازدادت حدته بعد ما اعتبرته واشنطن تقاعسًا من جانب الحلفاء الأوروبيين عن دعم العمليات الأمريكية فى الحرب مع إيران، ثم جاء القرار الأمريكى الأخير بسحب خمسة آلاف جندى من ألمانيا ، خلال الأشهر الستة الإثنى عشر المقبلة، ليكشف عن تحول أعمق فى العلاقات داخل المعسكر الغربى، ويثير مجددا التساؤلات حول الالتزام الأمريكى بأمن أوروبا، بل حول مستقبل حلف شمال الأطلسى (ناتو).

القرار الأمريكى جاء فى أعقاب خلاف علنى نشب بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والمستشار الألمانى فريدريش ميرتس بشأن الحرب على إيران، حيث شكك الأخير فى امتلاك الإدارة الأمريكية لاستراتيجية فعالة لإنهاء الحرب، وقال إن الولايات المتحدة قد "تعرضت للإذلال" فى مفاوضاتها مع طهران، وهو ما قوبل برد حاد من ترامب قائلا إن ميرتس "لا يعرف ما الذى يتحدث عنه"، مضيفا أنه "لا عجب إذن أن يكون أداء ألمانيا على هذا النحو من الضعف، سواء على الصعيد الاقتصادى أو على أى صعيد آخر".

وعلى الرغم من ذلك، أصر المستشار الألمانى على أن "لا صلة" بين قرار واشنطن والسجال الذى دار بينه وبين ترامب، وأكد وزير الدفاع الألمانى بوريس بيستوريوس، أن القرار لم يكن مفاجئاً، مشيراً إلى أنه "كان متوقعاً" أن تسحب الولايات المتحدة قواتها من أوروبا ومن ضمنها ألمانيا، لكنه شدد فى الوقت ذاته على أهمية الوجود العسكرى الأمريكى لأمن ألمانيا وأوروبا، داعيا الأوروبيين إلى تحمل "مسئولية أكبر عن أمننا".

وكان ترامب دعا إلى تقليص الوجود العسكرى الأمريكى فى ألمانيا خلال ولايته الأولى، وكرر دعوة الأوروبيين إلى تحمل مسئولية أكبر عن أمنهم.

وفى العام الماضى، قررت واشنطن خفض وجودها العسكرى فى رومانيا، ضمن خطة ترامب لتحويل التركيز العسكرى الأمريكى صوب منطقة المحيطين الهندى والهادئ.

وبالإضافة إلى ألمانيا، لم يستبعد ترامب سحب قوات أمريكية من دول أوروبية أخرى، مثل إيطاليا وإسبانيا، على خلفية رفضهما الانخراط فى الحرب على إيران أو دعم عمليات تأمين مضيق هرمز.

على المستوى الأوروبى، أثار القرار الأمريكى قلقا واسعا، ليس بسبب حجمه، لكن بسبب توقيته ودلالاته السياسية.

فقد اعتبرت مسئولة الشئون الخارجية فى الاتحاد الأوروبى كايا كالاس، أن "توقيت" الإعلان جاء "مفاجئا"، رغم أن "الحديث عن سحب قوات أمريكية من أوروبا كان قائما منذ فترة طويلة"، وأكدت أن التطور "يظهر أننا بحاجة فعلا إلى تعزيز الركيزة الأوروبية داخل الناتو".

بدورها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين: لابد من "تعزيز قدراتنا العسكرية لنتمكن من الدفاع عن أنفسنا". بينما عبر رئيس الوزراء البولندى دونالد توسك، عن قلق بالغ، محذرا من أن "أكبر تهديد للتحالف عبر الأطلسى، يتمثل فى تفككه الداخلى، وليس فى أعدائه الخارجيين".

الانتقادات لقرار ترامب لم تقتصر على الجانب الأوروبى، بل امتدت إلى الداخل الأمريكى نفسه، حتى بين الجمهوريين، حيث أعرب الرئيسان الجمهوريان للجنتى القوات المسلّحة فى مجلسى الشيوخ والنواب، عن "قلقهما العميق" إزاء هذا القرار، معتبرين أنه "يعطى الإشارة الخطأ (للرئيس الروسى) فلاديمير بوتين".

وحذر السيناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز، فى بيان من أنّه "حتى لو اتجه الحلفاء نحو الإنفاق الدفاعى بنسبة 5 فى المائة من ناتجهم المحلى الإجمالى، فإن تحقيق هذا الاستثمار سيستغرق وقتا"، مضيفين أن "تقليص الوجود الأمريكى فى أوروبا قبل الأوان وقبل أن تصبح هذه الوسائل جاهزة للعمل بشكل كامل يعرض قوة الردع للخطر".

وينبع القلق عبر الأطلسى من الوزن الاستراتيجى للوجود العسكرى الأمريكى فى أوروبا، والذى يشمل أكثر من 80,000 جندى، موزعين على عشرات القواعد العسكرية.

وتُعد ألمانيا مركز الثقل الرئيسى للوجود العسكرى الأمريكى فى أوروبا؛ إذ تستضيف قاعدة رامشتاين الجوية– أكبر قاعدة جوية أمريكية خارج الولايات المتحدة– إضافة إلى مقر القيادة العسكرية الأمريكية فى أوروبا وإفريقيا.

ووفقًا لبيانات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، بلغ عدد العسكريين الأمريكيين المتواجدين فى ألمانيا 36,436 فردًا حتى ديسمبر من العام الماضى، فى المرتبة الثانية بعد العدد الموجود فى اليابان.

فى ضوء ذلك، أثار قرار واشنطن بسحب خمسة آلاف جندى أمريكى من ألمانيا، جدلا سياسيا وأمنيا فى أوروبا وعلى ضفتى الأطلسى. وذكرت إذاعة "دويتشه فيله"، إنه رغم التقليل الألمانى من آثار القرار، فإنه يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الأوروبى، ودور الولايات المتحدة داخل حلف الناتو.

ورأت الإذاعة الألمانية، أن قرار سحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا يتجاوز كونه خطوة عسكرية محدودة، ليعكس تحولات أعمق فى العلاقات عبر الأطلسى، وفى رؤية واشنطن لدورها الأمنى فى أوروبا.

فى السياق ذاته، أشارت إذاعة "مونت كارلو الدولية"، فى تقرير لها، إلى إنه رغم قول برلين إن القرار لم يكن مفاجئا، إلا أن العواصم الأوروبية لا تخفى قلقها من تداعياته السلبية على أمن أوروبا، وعلى تماسك حلف الناتو، نظرا لأهمية القوات الأمريكية المتمركزة فى ألمانيا. وأضافت، أن السؤال الأعمق الذى يطرحه الخبراء فى ألمانيا يتعلق بنوايا إدارة ترامب بشأن التزاماتها إزاء حلف ال ناتو فى المرحلة المقبلة.

وحسب "مونت كارلو"، يعتقد خبراء أن حاجة البنتاجون للخدمات اللوجستية والعسكرية للعمليات القتالية فى الشرق الأوسط وأفريقيا واعتمادها على القيادة الإقليمية الأمريكية لأوروبا وأفريقيا "أفريكوم" فى شتوتجارت الألمانية، هو ما سيجعل إدارة ترامب تعيد حساباتها من منظور المصالح الأمريكية.

من جهتها، أكدت صحيفة "الإندبندنت"، أن الصدام بين ترامب والمستشار الألمانى وضع حلف شمال الأطلسى، فى حالة من الهشاشة التاريخية، تزامناً مع ابتعاد إسبانيا عن التنسيق مع الإدارة الأمريكية.

وأشارت الصحيفة البريطانية، إلى أن هذه التوترات الداخلية تربك حسابات القادة العسكريين للحلف، حيث بات التنسيق الميدانى رهناً بالتجاذبات السياسية الحادة والمفاجئة بين الحلفاء.

وحسب التقرير، تستفيد القوى المنافسة للغرب، مثل روسيا والصين، بشكل مباشر من هذا التفكك، إذ أن ضعف ال ناتو يمنحها فرصة لتعزيز نفوذها، وتقويض وحدة المعسكر الغربى. لذا، يبذل العسكريون الأمريكيون والأوروبيون جهوداً مضنية للحفاظ على تماسك الحلف، رغبةً منهم فى حماية البنية الدفاعية من التقلبات السياسية التى تفرضها قرارات البيت الأبيض.

وتشير "الإندبندنت"، إلى أنه بالرغم من غضب الحلفاء الأوروبيين من انفراد ترامب بقرارات عسكرية هجومية دون أدنى تنسيق مسبق، فإنهم يدركون أن الرد على التهديدات الروسية الهجينة والتقليدية يستلزم دعماً أمريكياً.

فى المقابل، تمثل القواعد الأمريكية فى أوروبا، خاصة قاعدة رامشتاين فى ألمانيا، العصب الحيوى لقدرة واشنطن على بسط نفوذها العسكرى فى إفريقيا والشرق الأوسط والساحل الإفريقى.

ولفتت الصحيفة، إلى انتقاد النائب الجمهورى دون بيكون، لقرار ترامب، مؤكداً أن القواعد الأمريكية فى أوروبا تمنح واشنطن وصولاً استراتيجياً لثلاث قارات، وأن خسارتها تضعف المصالح الأمريكية أولاً.

فى السياق ذاته، أشارت "سى إن إن"، إلى قول إلبريدج كولبى، نائب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشئون السياسة، إن واشنطن لا تستهدف تقويض أمن أوروبا، بل إعادة توزيع الأدوار داخل حلف ال ناتو بحيث يتحمل الحلفاء المسئولية الرئيسية عن الدفاع التقليدى عن أوروبا، بينما تركز واشنطن على التحديات "التى لا يمكن إلا للقوة الأمريكية أن تلعب فيها دورًا حاسمًا"، خاصة فى آسيا وفى نصف الكرة الغربى.

أضف تعليق