مراجعات نقدية في تاريخنا الثقافي (1)

مراجعات نقدية في تاريخنا الثقافي (1)كتاب الإسلام وأصول الحكم

(1) من المهام الأصيلة للمؤرخ الثقافى والباحث فى تاريخ الثقافة والإبداع؛ استدعاء الأحداث والقضايا والموضوعات المتصلة بحيوية وصيرورة المجتمع الذي ينتمي إليه، عاقدا صلات الوصل بين القيم الإيجابية الصالحة للاستمرار والنماء فى هذه الموضوعات وبين اللحظة الراهنة واحتياجاتها وضروراتها وما تواجهه من تحديات وصعوبات.

وما أكثر ما يجابه الثقافة المصرية والعربية الآن فى مواجهاتها الفكرية وتحدياتها الوجودية واشتباكاتها المتداخلة والمعقدة مع السياسة والاجتماع وكل ما يدور حولنا وبين ظهرانينا فى بلداننا العربية وفى العالم كله من حولنا.

فى ظل هذا المدخل الموجز تبرز أهمية الاحتفالات المئوية (أو المئويات) أو مرور ربع القرن أو نصف القرن (أو ما يزيد بنسبها ومضاعفاتها الزمنية) خاصة أن مصر أقدم دول المنطقة بحثا عن قيم الحداثة والتقدم والمدنية والنهضة، منذ بدأت تباشيرها المادية فى الظهور على يد الباشا محمد علي (1805-1848) مرورا بما يعرف فى تاريخنا الحديث بالتحديث الثاني على يد حفيده الخديو إسماعيل (1863-1879)، ووصولا إلى الحديث الثالث على يد ابنه الملك فؤاد الأول (1917-1936) ومن بعد الملك فاروق (1936-1952) أو ما يعرف بحقبة مصر الملكية.

فى العام الماضي؛ من المفترض أن يكون الوقوف والاحتفال بمناسبة مرور مائة عام (قرن من الزمان) على ظهور الجامعة الحكومية إلى النور، ومرور مائة عام على تدشين 4 كليات قامت عليها هذه الجامعة الحكومية ( جامعة فؤاد الأول التي ستعرف بالجامعة المصرية ثم جامعة القاهرة وهو اسمها الذي استقرت عليه حتى الآن)، هذه الكليات الأربع هي: الآداب، والعلوم، والطب والصيدلة!

وفى السنة ذاتها كان من المفترض الاحتفال بمرور مائة عام على صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق الذي أثبت فيه أن نظام الخلافة ليس من أصول الدين ولا من أصول الاعتقاد، وأن مسألة الحكم وإدارة شئون السياسية من الأمور الدنيوية التي يترك فيها لأهل كل عصر أن يروا فيها ما يناسب مجريات العصر والتطور وقوانين العمران البشري فى ظل القيم العليا الهادية والأخلاقية للرسالات السماوية وفى القلب منها الإسلام بحسه الحضاري ومبادئه السامية..

(2) لكن ما تم - هنا أو هناك - لم يرق أبدًا - فى تقديري - لقيمة كل حدث وأثره العميق فى مجريات الحياة المصرية؛ خاصة أن الغاية من الاحتفال ليست المظاهر الشكلية، ولا ترديد الدعايات المعلوماتية أو التعريفية، بل الغرض الأهم -فى نظري- هو إعادة قراءة وتأمل وتحليل كل حدث والنظر فيما قدمته هذه التجربة أو تلك أو أثاره هذا الكتاب أو ذاك فى تحريك الجامد والساكن من مياه راكدة، وبعث حيوية جديدة كان من الضروري بعثها فى شرايين ثقافة هذه الأمة، فى ضوء بحثها عن شخصيتها وهويتها ومكانتها التي تستحق بين الأمم.

على كل حال؛ بعد عام واحد فقط من صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق (من أراد مزيدا من الأضواء على السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي لصدور الكتاب وما أثاره من أصداء الرجع إلى ما كتبناه هنا قبل عام على صفحات مجلة “أكتوبر”)، ثارت معركة أخرى حامية الوطيس بسبب كتاب أصدره عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين فى أبريل من العام 1926 وقامت الدنيا ولم تقعد بسبب هذا الكتاب منذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا هذا. إنها معركة كتاب « في الشعر الجاهلي » الذي نحتفل هذا العام بمرور مائة سنة (قرن من الزمان) على صدوره، وعلى ما أثاره من حراك وأصداء ونقاشات لا تزال مستمرة أيضا حتى الآن!

هكذا هو طابع الكتب الأصيلة المحركة للفكر وللراكد من المياه الساكنة؛ الكتب التي يؤرخ بها لحيوية وخصوبة أي أمة، وعلى مرحلتين بين ما قبل أو ما بعد صدور الكتاب. فبالتأكيد مثل صدور كتاب فى الشعر الجاهلي نقطة فاصلة فى تاريخ الدراسات الأدبية وتاريخ الأدب العربي عامة والشعر الجاهلي خاصة، وإذا ما وسعنا الدائرة من منظور العلوم الإنسانية وأدبيات المنهج، فإن الكتاب يمثل علامة فارقة فى تاريخنا الثقافى كأول كتاب منهجي يطرح فكرة البحث المنظم والمنهج بمعناه العلمي والمعرفى والفلسفي، فضلا على طرحه قضيتي الشك فى الشعر الجاهلي وقضية انتحال الشعر وما نتج عن ذلك من نشاط علمي وأكاديمي مذهل على مدى ثلاثة عقود تالية وربما لنصف قرن تال على كتاب “فى الشعر الجاهلي”.

فى هذ الأسبوع، وفى الأسابيع القادمة بمشيئة الله، سنقدم “قراءة تاريخية” مستقصية لتفاصيل هذه المعركة الكبرى فى تاريخ الفكر والثقافة والسياسة المصرية والعربية فى النصف الأول من القرن العشرين، ومتابعة ما أثارته من قضايا وموضوعات إشكالية ما زال السجال مشتعلا ومحتدما حولها بين التيارين المتصارعين منذ تباشير النهضة الحديثة وحتى الآن: القدماء (المحافظون/ الأصوليون/ السلفيون/ أنصار تيارات الإسلام السياسي عامة) وبين المحدثين (المعاصرين/ التنويريين/ الحداثيين/ المنفتحين على تيارات العلم والمعرفة والفكر والاجتماع الإنساني عامة).

فى هذه الحلقة من (أكتوبر الثقافى)، والحلقات التالية، نتتبع تفاصيل هذه القضية ومساراتها وأبعادها وما شكلته من تاريخٍ خصب وحيوي ومثير فى تاريخ الثقافة المصرية والعربية، وتبعات ما أثارته على كل المستويات، ونفصِّل القول فى آليات المجابهة بين التيارين (القدماء والمحدثون/ الأصوليون والمعاصرون التنويريون) التي تكاد لم تتغير أبدًا منذ أزمة كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، وحتى مناوشات ومعارك “التريندات” الأخيرة على السوشيال ميديا مما نعايشه ونعاينه، ونكتوي بناره فى أيامنا الراهنة هذه.

(3) كتاب «فى الشعر الجاهلي» لطه حسين الذي صدر للمرة الأولى فى أبريل من العام 1926 عن مطبعة دار الكتب المصرية، لم يكن مجرد كتاب يبحث فى الوجود التاريخي للشعر الجاهلي وقائليه، ولا مجردة “فكرة” هنا أو أسطر هناك فى ثناياه أثارت ثائرة البعض، وجرَّت ما جرت من غضب وسخط على طه حسين ظلت تلاحقه حتى بعد رحيله عن عالمنا.

الكتاب، وفى عبارة موجزة، كان علامة فارقة فى الثقافة العربية بين رؤيتين وتوجهين وتصورين للفكر والثقافة والبحث الإنساني عمومًا، والبحث الأدبي بالأخص. إن قيمة الكتاب الكبرى - فى ظني- ليست فى نتائجه المستنبطة، ولا فى كثيرٍ من آرائه التي تجاوزها البحث العلمي (وستظل ثمرة من ثماره فى كل حال) إنما قيمته الكبرى (وستظل) فى تكريسه قيمة “المنهج” و”طريقة البحث” وممارسة التفكير النقدي والعقلاني، والبدء من الفحص الدقيق للمرويات والآثار والنقوش والنصوص، وتطبيق أدبيات المنهج التاريخي النصي كما ثقفه وتعلمه طه حسين على يد أساتذته فى الجامعة المصرية (1908-1914) وفى فرنسا (1915-1919) على السواء.

ولولا كتاب «فى الشعر الجاهلي» (1926) ما كتب الدكتور ناصر الدين الأسد أطروحته الممتازة حول «مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية»، بعد ثلاثة عقود تقريبًا من صدوره، ولولا كتاب «فى الشعر الجاهلي» ما أخرج شوقي ضيف موسوعته الكبرى (تاريخ الأدب العربي) فى عشرة أجزاء، استهلها بالجزء الأول حول (العصر الجاهلي) وفيه فند التلميذ النابه الذي تلقى تدريبه البحثي والمنهجي على يد أستاذه طه حسين، فنَّد آراء ونتائج أستاذه الجليل، وأقام طروحاته المضادة فى كتابه على أساس متين وقوي من منهج الأستاذ وتجاوزه فى آن!.

ولولا كتاب «فى الشعر الجاهلي» ما خرج هذا العدد الذي يجل على الحصر طيلة نصف القرن من كتب وأبحاث رائعة ورائدة أنتجها تلاميذ أفذاذ من الرعيلين الأول والثاني من خريجي الجامعة المصرية، أداروها حول عصور الأدب العربي ، شعرا ونثرا، ووقفوا تفصيلا عند أدباء كل عصر، وقدموا تراجم مستفيضة لهم على أسس منهجية؛ ويمكن القول فى التحليل الأخير إنه لولا كتاب طه حسين هذا ما تكرست مدرسة عربية حديثة وأصيلة فى درس الأدب الجاهلي ونصوصه شعرا ونثرا، ودرس الأدب العربي فى عصوره المتعاقبة..

(4) ينبني الإطار العام للبحث التاريخي حول قضية أو أزمة أو معركة كتاب «فى الشعر الجاهلي» حول عدد من المحاور، سيكون كل محور منها موضوع حلقة من حلقات هذه السلسلة (مراجعات نقدية فى تاريخنا الثقافى)، وتتشكل ملامحها كما يلي:

أولاً: الاستهلال: مئوية الأثر والوعي الثقافى

يأتي الاحتفال بمئوية كتاب «فى الشعر الجاهلي» (1926-2026) فى لحظة تاريخية استراتيجية فارقة تتجاوز استعادة ذكرى صدور كتاب، لتكون وقفة تأملية أمام علامة فاصلة بين رؤيتين للفكر الإنساني والبحث النقدي. وفيما يشتعل الفضاء الرقمي بضجيج السجالات العشوائية، وصخب “التريندات” التافهة العقيمة، يمارس كاتب هذه السطور جانبا من مشروعه الطموح لاستهداف “تنشيط الوعي” و”تجديد الذاكرة” عبر “الاشتباك المعرفى” مع الثوابت والمنطلقات الفكرية، وليس مجرد الاحتفاء الروتيني “الشكلي”.

أجتهد على مدار هذه الحلقات فى تقديم تشريح بنيوي وتاريخي وتحليلي لسيرة هذا الكتاب الذي فجر مياه الفكر العربي الراكدة، رابطا إياه بسياقاته العميقة التي لم تظهر من فراغ أبدا.

ثانيا: التكوين المعرفى لطه حسين ( من الأزهر إلى السوربون )

ثالثا: لحظة صدور الكتاب.. تقاطع الدين والسياسة والبحث العلمي

حيث تحول البحث العلمي “المنهجي” فى عام 1926 إلى حلبة صراع أيديولوجي وسياسي، حيث تم اختزال الكتاب كاملاً فى “سطرين” يتعلقان بقصص الأنبياء، حيث قال طه حسين بدقته المعهودة: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما، ولكن ليس معنى ورودهما دليلاً على إثبات الوجود التاريخي”. هذا “الفصل بين المقدس الاعتقادي والبحث العلمي التاريخي” هو ما فجر الأزمة كلها.

رابعا: حديث عن طبعات الكتاب وكلمة عن مصادر الموضوع

وفيها أشير إلى طبعة مكتبة الأسرة التي تكتسب أهمية ببليوجرافية خاصة لمقدمتيهما الرصينتين:

● مقدمة الدكتور عبد المنعم تليمة (1996): التي قدمت قراءة تقويمية شاملة للكتاب بعد مرور سبعين عاماً على صدوره.

● مقدمة الدكتور جابر عصفور: التي فككت ببراعة آليات “التوظيف السياسي والديني” التي أحاطت بالكتاب، مبرزةً الصراع بين سلطة العقل وسلطة النقل.

خامسا: الأثر الممتد: مدرسة طه حسين وتجاوز الأستاذ

لم تكن قيمة الكتاب فى نتائجه النهائية، بل فى تأسيس “المشروع الثلاثي” (طه حسين، أحمد أمين، عبد الحميد العبادي) لإعادة كتابة تاريخ الحياة العقلية والثقافية للعرب. لقد أفرز هذا المنهج مدرسة ضمت “أحفاد طه حسين” الذين بنوا على أطروحاته

أو انتقدوها بأسلوب علمي رصين:

● شوقي ضيف: الذي انضبط بمنهج الأستاذ فى توثيق الأدب العربي.

● ناصر الدين الأسد: الذي قدم فى كتابه الضخم «مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية» (1956) الرد العلمي الأمثل، حيث استخدم أدوات المنهج التاريخي وإجراءاته ذاتها لإثبات صحة نسبة الشعر، وهو ما يمثل “قمة النجاح للمنهج العلمي”؛ إذ إن وظيفة التلميذ هي “تجاوز الأستاذ” بالبحث لا بالانغلاق.

الخلاصة: إن الرسالة النهائية للندوة هي ضرورة الاتصال بالمصدر المباشر، وقراءة نص طه حسين بعيداً عن عدسات السجالات المعاصرة، ورفض فكرة “المقدس فى الأشخاص”، فالعلم ينمو بالمراجعة والتجاوز، وليس بالجمود والتقديس.

(وللحديث بقية إن شاء الله)

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان