المصريون فى الخارج ليسوا مجرد أرقام فى سجلات الهجرة أو تحويلات مالية تدخل خزينة الدولة كل عام بل هم امتداد حقيقى لقوة مصر الناعمة و أحد أهم عناصر دعم الدولة المصرية فى لحظات التحديات و الأزمات و التحولات الكبرى و لسنوات طويلة جرى اختزال دور المصريين فى الخارج فى فكرة التحويلات المالية فقط .
رغم أن الحقيقة أكبر و أعمق بكثير لأن المصريين المنتشرين فى مختلف دول العالم أصبحوا يمثلون شبكة تأثير عالمية تحمل اسم مصر و تدافع عنها و تفتح لها أبواب الاقتصاد و الثقافة و السياسة و الاستثمار و المعرفة فالمصرى حين يسافر لا يترك وطنه خلفه بل يأخذه معه فى لغته و عاداته و انتمائه و طريقة تعامله مع الآخرين و لذلك فإن صورة مصر فى الخارج كثيرا ما يصنعها المواطن المصرى البسيط قبل أى مؤسسة رسمية و إذا كانت بعض الدول تعتمد على جيوشها العسكرية لحماية مصالحها فإن مصر تمتلك بجانب قوتها الوطنية جيشا من أبنائها المنتشرين حول العالم يحملون الانتماء فى قلوبهم و يعملون فى صمت لخدمة وطنهم بطرق قد لا يراها الكثيرون فالمهندس المصرى الذى ينجح فى الخليج أو أوروبا أو أمريكا لا يحقق نجاحا فرديا فقط بل يقدم نموذجا للعقل المصرى القادر على المنافسة و الطبيب المصرى الذى يحظى بالاحترام فى الخارج يرفع اسم بلده قبل اسمه الشخصى و الباحث و العالم و رجل الأعمال و العامل البسيط كلهم يتحولون إلى سفراء غير رسميين لمصر و الحقيقة أن المصريين فى الخارج لعبوا دورا شديد الأهمية فى دعم الاقتصاد الوطنى خلال السنوات الماضية خاصة فى ظل الأزمات الاقتصادية العالمية حيث مثلت تحويلاتهم أحد أهم مصادر العملة الأجنبية و ساهمت فى حماية الاقتصاد من ضغوط هائلة لكن الرؤية الجديدة لدور المصريين بالخارج يجب ألا تتوقف عند الأموال فقط لأن القيمة الحقيقية تكمن أيضا فى الخبرات و العلاقات الدولية و نقل المعرفة و التكنولوجيا و فتح الأسواق الجديدة أمام المنتجات المصرية .
فالمصرى الذى يعمل فى شركة عالمية بالخارج يمتلك خبرات يمكن أن تنقل إلى الداخل إذا تم استثمارها بشكل صحيح و رجل الأعمال المصرى فى الخارج يستطيع جذب استثمارات و بناء شراكات اقتصادية تخدم الدولة المصرية و الأكاديميون المصريون فى الجامعات العالمية يمكن أن يكونوا جسورا لنقل العلم و التطور إلى الوطن كما أن للمصريين فى الخارج دورا وطنيا بالغ الأهمية فى مواجهة حملات التشويه و الشائعات التى تستهدف الدولة المصرية لأنهم الأقرب للتعامل مع المجتمعات الغربية و وسائل الإعلام الخارجية و منصات التأثير الدولى و فى كثير من الأوقات ظهر أبناء مصر فى الخارج وهم يدافعون عن وطنهم فى المؤتمرات و وسائل الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعى رافضين محاولات الإساءة إلى الدولة المصرية أو تشويه صورتها أمام العالم و من الزوايا المهمة التى لا يتم الحديث عنها كثيرا أن المصريين فى الخارج يمثلون قوة اجتماعية و ثقافية تحافظ على الهوية المصرية عبر الأجيال فالأب و الأم المصريان فى الغربة يحاولان دائما تعليم أبنائهما اللغة العربية و تعريفهم بتاريخ مصر و حضارتها و عاداتها حتى لا تنقطع الصلة بين الأجيال الجديدة و وطنهم الأم و هنا يظهر المعنى الحقيقى للوطنية لأن الوطنية ليست مجرد وجود جغرافى داخل حدود الدولة بل هى ارتباط روحى و ثقافى و إنسانى يجعل الإنسان يحمل وطنه معه أينما ذهب كما أن الدولة المصرية مطالبة اليوم بتبنى رؤية أكثر تطورا فى التعامل مع المصريين بالخارج تقوم على اعتبارهم شركاء فى بناء الجمهورية الجديدة لا مجرد مصدر للتحويلات المالية و هذه الرؤية يجب أن تشمل تسهيل الاستثمار للمصريين بالخارج و فتح قنوات حقيقية للاستفادة من خبراتهم و إشراكهم فى المشروعات القومية و خلق منصات تواصل مستمرة بينهم و بين مؤسسات الدولة كذلك من المهم الاهتمام بأبناء الجيلين الثانى و الثالث من المصريين بالخارج لأن الحفاظ على ارتباطهم بمصر يمثل استثمارا استراتيجيا طويل المدى يضمن استمرار قوة مصر الناعمة حول العالم فالعالم اليوم لا يقاس فقط بحجم الجيوش أو الاقتصاد بل أيضا بحجم التأثير الإنسانى و الثقافى و الحضارى و هنا يبرز دور المصريين بالخارج باعتبارهم أحد أهم أدوات التأثير المصرى فى العالم و تبقى الحقيقة الأهم أن المصريين فى الخارج لم يكونوا يوما بعيدين عن وطنهم بل كانوا دائما جزءا من معركة البناء و البقاء و الحفاظ على الدولة لأن الوطن بالنسبة للمصرى ليس مكانا يعيش فيه فقط بل فكرة تسكن داخله أينما ذهب و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .