تحولت قرى محافظة الدقهلية إلى سرادق عزاء مفتوح، بعد مصرع عدد من شبابها في الحادث المأساوي بطريق توشكى – شرق العوينات بمحافظة أسوان، أثناء عودتهم من العمل، في رحلة اغتراب حملوا فيها أحلامهم البسيطة بحثًا عن الرزق، فعادوا جثامين وسط صرخات الأمهات وانهيار الأسر.
بين الضحايا كان الشاب محمد السيد طلبة الشربيني، ابن قرية الخضيري التابعة لمركز منية النصر، والذي رحل قبل أن يكمل فرحته بزفاف كان يستعد له منذ شهور.
محمد، صاحب الـ22 عامًا، كان مثالًا للشاب المكافح، اعتاد السفر إلى توشكى للعمل على آلة لضم القمح، متحملًا قسوة الغربة أملاً في تجهيز نفسه للزواج ومساندة أسرته. لم يكن يدري أن رحلته الأخيرة ستنتهي على طريق الموت.

أفراد أسرته أكدوا أن الشاب الراحل كان محبوبًا بين الجميع، معروفًا بأخلاقه الطيبة وسعيه الحلال، وكان يحلم بحياة مستقرة بعد فترة صعبة عاشها مؤخرًا، لكن القدر لم يمهله.
وفي مشهد مؤلم، كشف عم محمد تفاصيل اللحظات الأولى لمعرفة الأسرة بالكارثة، موضحًا أنهم لم يتلقوا أي إخطار رسمي، وإنما فوجئوا بمقاطع فيديو وصور للحادث متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتأكد الخبر باتصال من أحد أبناء القرية العاملين هناك.
وقال العم، باكيًا، إن الأسرة سمعت صوت محمد في أحد المقاطع المتداولة وهو يردد الشهادة قبل وفاته بلحظات، مضيفًا: «كان صوته طبيعي وكأنه مفيهوش حاجة.. سمعناه بيقول لا إله إلا الله أكتر من مرة».
وأضاف أن آخر مكالمة جمعته بابن شقيقه كانت صباح يوم الحادث، حين قال له: «العيد هنا زي العيد عندكم.. شكلي مش هلحق أحضر العيد معاكم»، وعندما طالبه بالنزول لقضاء الإجازة، رد بأن المسافة بعيدة والوقت لن يسمح.
ولم تكن مأساة محمد وحدها الأكثر إيلامًا، إذ روى خال الشاب محمد جمعة أن الأسرة كانت تعيش حالة من الفرحة بعدما علم الشاب قبل أشهر قليلة بحمل زوجته بعد أربع سنوات من الزواج، مؤكدًا أن آخر كلماته لوالدته كانت: «خلي بالكم من نفسكم».

كما كشف والد الشاب محمد مسعد الكفافي أن نجله أوصاه قبل وفاته بإخراج زكاة محصول البصل وزيادة نصيب الجيران منها، مشيرًا إلى أنه نشر قبل الحادث بيومين منشورًا يتحدث فيه عن الموت والكفن، وكأنه كان يشعر بقرب رحيله.
وضمت قائمة الضحايا عددًا من أبناء محافظة الدقهلية، بينهم محمد جمعة مسعد، ومحمد مسعد محمد الكفافي، وأحمد رجب محمد محمود، وخالد جابر عبد المعطي فهمي عبده، ومحمد السيد طلبة الشربيني، وإسلام عبده كامل ضياء، إلى جانب آخرين من أبناء منية النصر والجمالية وميت سلسيل.

ومن جانبه، تقدم اللواء ، محافظ الدقهلية، بخالص العزاء لأسر الضحايا، مؤكدًا في تصريحات خاصة لدار المعارف متابعته المستمرة للحادث منذ الساعات الأولى، بالتنسيق مع محافظة أسوان، لإنهاء جميع الإجراءات الخاصة بنقل الجثامين وعودتها إلى الدقهلية، وانه تم التنسيق مع وزارة الطيران المدني بنقل الجثامين بطائرة إلي مطار القاهرة.
كما وجه المحافظ بسرعة صرف المساعدات المالية اللازمة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي الكامل لأسر الضحايا، في ظل حالة الحزن التي خيمت على القرى التي ودعت أبناءها في جنازات مهيبة.
ورحل الشباب تاركين خلفهم أحلامًا مؤجلة وقلوبًا مكسورة، بعدما خرجوا بحثًا عن لقمة العيش، فعادوا إلى أهلهم محمولين على الأكتاف.

