في السنوات الأخيرة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مزاعم عديدة تهاجم الحليب، وتصفه أحيانًا بأنه "غير مناسب للبشر" أو أنه سبب لهشاشة العظام والأنيميا، بل ووصل الأمر إلى التحذير منه باعتباره "سمًا قاتلًا".
وبين هذا الجدل، يؤكد متخصصون في التغذية العلاجية أن الحليب ما زال واحدًا من أهم الأغذية المتكاملة التي تمد الجسم بعناصر غذائية أساسية يحتاجها يوميًا، مع ضرورة التفرقة بين الحالات الطبيعية والحالات المرضية مثل حساسية الألبان أو عدم تحمل اللاكتوز.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور أحمد أبو الريش أخصائي التغذية العلاجية أن الحليب يُعد من الأغذية الوظيفية المهمة، لما يحتويه من عناصر غذائية ومركبات حيوية تدعم صحة الجسم وتساهم في الوقاية من العديد من المشكلات الصحية.
وأشار إلى أن النبي أوصى باللبن واعتبره طعامًا مباركًا، وكان يدعو قائلًا: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ"، مؤكدًا أن هذا يعكس قيمته الغذائية الكبيرة وفوائده المتعددة.
وأوضح أن الحليب في علم التغذية العلاجية يُعرَّف بأنه سائل غذائي متكامل ومتوازن، يحتوي على بروتينات عالية القيمة البيولوجية، ودهون، وكربوهيدرات، إلى جانب المعادن والفيتامينات الأساسية التي يحتاجها الجسم.
وأضاف أن كثيرًا من المغالطات يتم تداولها حاليًا حول الحليب، رغم أن القرآن الكريم أشار إلى قيمته الغذائية العظيمة في قوله تعالى:
"وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ"
(سورة النحل – الآية 66).
وبيّن أن هذه الآية تشير إلى أن اللبن يتمتع بتركيب غذائي مميز يجمع بين القيمة الغذائية العالية والسلامة الفسيولوجية، ما يجعله من أوائل الأغذية التي يمكن تصنيفها ضمن مفهوم "الأغذية الوظيفية العلاجية".
وأكد أن الحليب يُعد مصدرًا أساسيًا للكالسيوم و الفوسفور وفيتامين "د"، وهي عناصر ضرورية لدعم صحة العظام والأسنان، كما أنه مصدر ممتاز للبروتين عالي الجودة وسهل الهضم، ما يجعله مهمًا للحفاظ على الكتلة العضلية ودعم نمو الأطفال.
ولفت إلى أن اللبن المتخمر مثل الزبادي يساعد على تحسين توازن البكتيريا النافعة داخل الجهاز الهضمي، مما ينعكس إيجابيًا على صحة الأمعاء والمناعة.
كما أوضح أن الكالسيوم والبيبتيدات النشطة الموجودة في بروتين اللبن تلعب دورًا مهمًا في دعم انتظام ضغط الدم، إضافة إلى أن الحليب يمنح إحساسًا بالشبع لفترات طويلة، مستشهدًا بقول النبي :
"فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ".
وأشار إلى أن الحليب يحتوي على مركبات حيوية مهمة مثل "اللاكتوفيرين" و"CLA"، وهي مركبات تمتلك خصائص مضادة للأكسدة وداعمة للمناعة، كما تساعد في تحسين الاستفادة من الحديد داخل الجسم، لذلك تدخل أحيانًا ضمن خطط دعم حالات نقص الحديد والأنيميا، خاصة لدى الأطفال والحوامل.
وأضاف أن الكثيرين يشترون مكملات اللاكتوفيرين بأسعار مرتفعة، رغم أن الحليب يحتوي عليه بصورة طبيعية.
وأكد أن الأشخاص الذين لا يفضلون شرب الحليب يمكنهم إضافته إلى أطعمة أو مشروبات مختلفة للاستفادة من قيمته الغذائية، موضحًا أن إدخاله ضمن النظام الغذائي يظل أمرًا مهمًا لمعظم الأشخاص.
واستثنى من ذلك أصحاب حساسية الألبان أو من يعانون من عدم تحمل اللاكتوز، موضحًا أن هذه الحالات يمكنها اللجوء إلى الحليب الخالي من اللاكتوز أو استخدام مكملات إنزيم اللاكتيز المتوفرة في الصيدليات.
كما شدد على أن الحليب المُصنّع من الشركات لا يفقد قيمته الغذائية كما يعتقد البعض، موضحًا أن عمليات البسترة والتعقيم لا تؤثر بشكل جوهري على البروتين أو الكالسيوم أو قدرة الجسم على امتصاصهما، كما أنها تحافظ على التأثير الغذائي والفسيولوجي للحليب.
وأشار إلى أن معدلات استهلاك الحليب عالميًا تشهد زيادة سنوية، ما يعكس استمرار الاعتماد عليه كغذاء أساسي في كثير من الأنظمة الغذائية حول العالم.
وفي ختام حديثه، أوضح أن كوبًا واحدًا من الحليب بحجم 250 مل يمكن أن يوفّر ما يقارب 50% من الاحتياجات اليومية للبروتين لدى الأطفال حتى سن 8 سنوات، مؤكدًا أهمية الحليب كجزء من نظام غذائي متوازن وصحي.