لم يكن سمير غانم مجرد نجم كوميديا استطاع أن ينتزع الضحكات من قلوب الجمهور على مدار عشرات السنوات، بل كان إنسانًا يحمل بداخله قلبًا شديد الرقة والوفاء، وهو ما ظهر في مواقف كثيرة رواها المقربون منه بعد رحيله، لتكشف جانبًا آخر من شخصيته بعيدًا عن الكاميرا وخفة الظل.
فعلى الرغم من شهرته الواسعة ونجوميته الكبيرة، ظل سمير غانم محتفظًا بإنسانيته وبساطته، يساند أصدقاءه ويقف بجوار من يحبهم دون ضجيج، حتى أصبح بالنسبة للكثيرين "فنانًا بدرجة إنسان".
حمل صديقه على كتفه خوفًا عليه
من أكثر المواقف التي بقيت عالقة في أذهان الفنانين، ما رواه حسن يوسف عن موقف جمع الراحل سمير غانم بالفنان جورج سيدهم أثناء تصوير فيلم "شاطئ المرح".
فبعد نزول جورج سيدهم البحر، تعرض لتشنج مفاجئ في العمود الفقري جعله غير قادر على الحركة، وهنا لم يتردد سمير غانم للحظة، بل أسرع إليه وحمله بنفسه حتى السيارة، وظل يسنده طوال الطريق إلى المستشفى، رافضًا أن يتركه وحده.
وأكد حسن يوسف أن هذا الموقف ظل محفورًا بداخله لسنوات طويلة، لأنه كشف له حجم الإنسانية والإحساس الذي كان يتمتع به سمير غانم، موضحًا أن الجميع أحبه بسبب أخلاقه قبل فنه.
يعمل من أجل مساعديه قبل نفسه
وكشفت هالة صدقي عن موقف إنساني آخر يعكس طبيعة سمير غانم، عندما فوجئت أثناء أحد الأعمال الفنية بأن أجره الشخصي كان أقل بكثير من المبالغ التي طلبها لمساعديه والعاملين معه.
وعندما سألته عن السبب، أخبرها ببساطة أنه يعتبر نفسه مسؤولًا عن هؤلاء الأشخاص وعن بيوتهم، وأنه يعمل من أجلهم بقدر ما يعمل لنفسه، في لقطة تلخص مدى وفائه لمن كانوا بجواره طوال مشواره الفني.
رفض الضحك احترامًا للشهداء
ومن المواقف التي أظهرت حسه الإنساني والوطني، ما رواه الكاتب الصحفي أحمد أبو الخير، حين كان سمير غانم ضيفًا في أحد البرامج التلفزيونية، ليتفاجأ قبل ظهوره بوقوع حادث إرهابي أسفر عن سقوط شهداء من أبناء القوات المسلحة.
وبمجرد علمه بالأمر، رفض استكمال الحلقة أو الظهور بشكل كوميدي، مؤكدًا أنه لا يستطيع أن يضحك الناس بينما هناك أسر تبكي أبناءها في نفس اللحظة.
ورغم محاولات فريق البرنامج إقناعه بالبقاء، أصر على موقفه، واكتفى بالظهور لدقائق قليلة فقط لتقديم التعازي لأسر الشهداء، قبل أن يغادر الاستوديو متأثرًا.
أخفى أوجاعه خلف الضحكة
ورغم الصورة المرحة التي عرفه بها الجمهور، عاش سمير غانم سنوات صعبة بسبب مرض شقيقه، الذي كان يتولى إدارة أعماله.
وكشف في أحد حواراته القديمة أنه اضطر للمشاركة في عدد كبير من الأفلام التجارية من أجل توفير تكاليف علاج شقيقه بالخارج، مؤكدًا أن أمنيته الكبرى وقتها كانت إنقاذه وإجراء عملية زرع كلية له، لكن القدر لم يمهله.
وكان رحيل شقيقه، وقبل ذلك وفاة الضيف أحمد، من أصعب اللحظات التي عاشها، خاصة أن الأخير كان يعتبره توأم روحه وشريك نجاحه في فرقة "ثلاثي أضواء المسرح"، التي ضمت أيضًا جورج سيدهم.
الناقد الفني أحمد سعد الدين روى أيضًا موقفًا إنسانيًا يكشف وفاء سمير غانم، بعدما أصر على استضافة مؤلف فني غاب عن الأضواء لفترة طويلة، تقديرًا لفضله عليه في أحد الأعمال الناجحة.
أما هند سعيد صالح فكشفت أن سمير غانم كان الفنان الوحيد الذي ظل بجوارها لفترة طويلة خلال عزاء والدها سعيد صالح، محاولًا التخفيف عنها ومواساتها، مؤكدة أنها لم تنس هذا الموقف أبدًا.
الضحكة التي خرجت من القلب
استطاع سمير غانم أن يصنع تاريخًا طويلًا من البهجة، لكنه في الوقت نفسه ترك سيرة إنسانية نادرة جعلت محبيه يتذكرونه بمحبة كبيرة حتى بعد رحيله.
فلم يكن سر تعلق الجمهور به موهبته فقط، بل تلك الروح الدافئة التي ظهرت في مواقفه العفوية، ليبقى واحدًا من أكثر الفنانين الذين نجحوا في الجمع بين خفة الظل ونقاء القلب.