في كل مرة يُذكر فيها اسم سمير صبري، لا يمكن وضعه في خانة فنية واحدة، فهو ليس مجرد ممثل، ولا مجرد مذيع، ولا حتى مطرب، بل حالة فنية متكاملة صنعت لنفسها مكانًا خاصًا في تاريخ الفن والإعلام المصري والعربي، وتركت بصمة لا تُشبه أحدًا.
وُلد سمير صبري في الإسكندرية عام 1936، ونشأ وسط بيئة ثقافية وفنية ساعدته على تكوين ذائقته مبكرًا، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ليبدأ رحلة طويلة مع الأضواء امتدت لعقود، لم يكن فيها مجرد حاضر على الشاشة، بل صانعًا لها أيضًا.
فنان لا يعرف التصنيف
منذ بداياته، لم يلتزم سمير صبري بقالب واحد. بدأ كمذيع في الإذاعة الإنجليزية، وهو ما منحه ميزة نادرة في جيله، إذ أتقن اللغة والثقافة الغربية، ثم انطلق إلى السينما ليجد نفسه وسط كبار النجوم في مرحلة ذهبية من تاريخ الفن المصري.
لكن المفاجأة لم تكن في التمثيل فقط، بل في قدرته على التنقل السلس بين المجالات؛ فهو الذي وقف أمام الكاميرا ممثلًا، وظهر على الشاشة مذيعًا، وقدم فقرات غنائية خفيفة أكدت امتلاكه حضورًا مختلفًا يجمع بين الخفة والثقافة والكاريزما.
شاشة التلفزيون.. بصمة لا تُنسى
يُعد سمير صبري أحد أبرز من صنعوا شكل البرامج التلفزيونية الفنية في مصر. برامجه مثل "هذا المساء" و"كان زمان" لم تكن مجرد لقاءات، بل أرشيفًا حيًا لنجوم الفن، وقدرًا كبيرًا من التوثيق الإنساني والتاريخي لمرحلة كاملة.
لم يكن مجرد مقدم برامج، بل محاورًا ذكيًا يعرف كيف يخرج من ضيفه حكاياته الخاصة، ويصنع حالة من الحنين لدى المشاهد، وهو ما جعل حضوره التلفزيوني مختلفًا عن غيره.
رصيد سينمائي ضخم وتجارب متنوعة
شارك في مئات الأعمال السينمائية، تنقل فيها بين أدوار مختلفة، من الشاب الأرستقراطي إلى الشخصيات المركبة، وظهر في أفلام مع كبار النجوم مثل عادل إمام، في مرحلة كانت السينما المصرية فيها في أوج تألقها.
هذا التنوع لم يكن عشوائيًا، بل كان انعكاسًا لشخصيته التي رفضت أن تُحاصر داخل دور واحد أو صورة نمطية.
تأثيره في الإعلام المصري
لم يقتصر تأثير سمير صبري على التمثيل أو التقديم، بل امتد إلى شكل الإعلام الفني نفسه. فقد كان من أوائل من دمجوا بين الحوار الثقافي والفني بأسلوب بسيط وقريب من الجمهور، مع الحفاظ على مستوى من الرقي والاحتراف.
كما ساهم في فتح مساحة أكبر للبرامج الفنية المتخصصة، التي لم تكن مجرد ترفيه، بل توثيقًا لذاكرة الفن.
في 20 مايو 2022، رحل سمير صبري بعد صراع مع المرض، لكن حضوره لم يغِب، إذ بقيت أعماله وبرامجه وأفلامه شاهدة على مسيرة استثنائية لفنان رفض أن يكون عاديًا.
واليوم، في ذكرى رحيله، يعود اسمه ليُذكر ليس فقط كفنان، بل كـ”حالة إعلامية وفنية شاملة” صنعت لنفسها مكانًا لا يُشبهه أحد، وظلت أقرب لفكرة الفنان الذي عاش أكثر من حياة في حياة واحدة.