طالعت الأسبوع قبل الماضي مقالًا لوزير التموين الدكتور شريف فاروق نشر بجريدة «اليوم السابع» حول منظومة الدعم وتحويله من دعم عيني إلى دعم نقدي، المقال خلا من الأرقام تماما عدا ثلاثة أرقام ضمن انفوجراف جاء فى نهاية الصفحة وهو أن هناك 60 مليون أسرة فى مصر مستفيدة من الدعم وأن حجم المخصص للدعم فى الموازنة يبلغ 168.3 مليار جنيه منها 69.1 مليار جنيه لشراء القمح.
لا أنكر أن حديث الوزير عن التحول من "الدعم العيني" إلى "الدعم النقدي" فى ذلك المقال مؤكدا أن الدعم النقدي يأتي لصالح المواطن قد لاقى تأييد البعض، منهم نائب رئيس غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات، ووكيل لجنة الشئون المالية والاقتصادية والاستثمار بمجلس الشيوخ ورئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالجيزة ورئيس الشعبة العامة للمخابز، وغيرهم لكن الوزير لم يشر إلى التجربة التي تمت فى محافظة بورسعيد والتي تم تطبيقها على 42 ألف أسرة ضمت 140 ألف مواطن من المستفيدين بالدعم وفى المرحلة الثانية يتم نقل التجربة إلى كل من الإسماعيلية والأقصر من خلال ما يعرف بالكارت الموحد للخدمات الحكومية.
وزارة التموين أكدت بحسب ما نشر نقلا عنها أن نجاح التجربة فى محافظة بورسعيد هو ما شجع على نقلها لمحافظتين جديدتين فى المرحلة الثانية.
ورغم أن ما أعلنته الوزارة عن التجربة لم يشر إليه الوزير من قريب أو بعيد فى مقاله، لكن اللافت للنظر أيضا أن ما يتم تداوله من معلومات فى هذا الشأن يشير إلى أن المشروع يعتمد على عدة سيناريوهات؛ الأول منها دخول منافذ جديدة ضمن منظومة صرف السلع الغذائية، مثل فروع كبرى الشركات التجارية والمتاجر الغذائية من أجل توفير السلع الأساسية بجودة عالية، ومنع الاحتكار، وتلبية احتياجات المواطنين.
ووفق هذا النظام يحصل صاحب البطاقة على دعم يعادل القيمة الفعلية للسلع التي كان يحصل عليها بالنظام الحالي.
وهو ما يشير إلى زيادة قيمة الدعم المقدم للمواطن؛ فالمواطن حاليا يحصل على دعم بقيمة 50 جنيها شهريا فى بطاقة التموين، تمكنه من الحصول على كيلو سكر مدعم بسعر 12.6 جنيه وزجاجة زيت 800 جرام بسعر 30 جنيها وكيس مكرونة بسعر 8.5 جنيه، بينما فى حالة تطبيق الدعم النقدي وحسب ما طرحته الوزارة سيتم احتساب السعر الحر لهذه المنتجات وإيداع القيمة المالية المكافئة داخل المحفظة الإلكترونية الخاصة بكارت التموين ، أو ما يعرف ببطاقة الخدمات الحكومية مستقبلا.
ويبلغ عدد المستفيدين من دعم الخبز حوالي 70 مليون مواطن، وعدد المستفيدين من دعم السلع التموينية قرابة 61 مليون مواطن.
أما السيناريو المطروح بشأن تحويل الدعم العيني الخاص بالخبز إلى دعم نقدي، سيمنح النظام الجديد المواطن قيمة التكلفة الفعلية لإنتاج رغيف الخبز، والتي تقترب حاليا من 150 قرشا للرغيف، مع تحديد عدد الأرغفة المخصصة لكل مواطن يوميا، سواء 5 أرغفة وفق النظام الحالي أو أي عدد آخر يتم تحديده مع تطبيق المنظومة الجديدة.
وبناء على ذلك، سيحصل المواطن على القيمة الفعلية لإجمالي الأرغفة المخصصة له، فمثلا إذا كانت حصة المواطن 5 أرغفة يوميا وسعر التكلفة الفعلية للرغيف 150 قرشا، فإنه سيحصل على دعم يومي بقيمة 7.5 جنيه، وذلك وفق عدد الأرغفة المحددة لكل بطاقة تموين وعدد أفراد الأسرة المستفيدة من الدعم.
كما تتيح المنظومة الجديدة لصاحب البطاقة استخدام القيمة المالية المخصصة له سواء من دعم السلع أو الخبز فى شراء أي سلعة يحتاجها دون التقيد بكميات محددة.
كما يأتي ضمن السيناريوهات زيادة قيمة الدعم النقدي للمواطن حال ارتفاع أسعار السلع وفق معدلات التضخم، بما يضمن استمرار حصول المواطن على نفس الكميات من السلع الأساسية.
فى الوقت ذاته تتوسع وزارة التموين فى إنشاء منافذ سلسلة "كارى أون"، ضمن رؤية الدولة لتطوير قطاع التجارة الداخلية ومنافذ التجزئة، على أن تدخل هذه المنافذ ضمن المنظومة الجديدة بما يواكب المعايير الحديثة فى عرض السلع والخدمات وتقديمها للمستهلكين بأسعار مناسبة وجودة ملائمة.
ما أعلنته الوزارة خلا منه مقال الوزير الذي حرص على الإشارة إلى تجارب دول أخرى انتقلت من الدعم العيني إلى الدعم النقدي؛ وهنا سأتوقف عند طرح لوجهة نظر أخرى ترى أن الحكومة تحاول تخفيف المسؤولية الرقابية ومن أعباء عدم قدرتها على مواجهة الخلل الجسيم الواقع داخل منظومة الدعم التابعة إليها، مثل هيئة السلع التموينية ومنافذ الشركة القابضة للصناعات الغذائية والشركات التابعة وبقالى التموين ومشروع «جمعيتي». وهو المسار الذي يمكن إحكام السيطرة عليه ومواجهة أي تجاوز بداخله وضبط الأسعار فيه ووقف الهدر وضمان عدم تسرب السلع.
ففي ظل الأسواق المفتوحة وحرية السوق لا يمكن السيطرة على الأسعار للسلع الأساسية خاصة مع وجود عبارة (السوق يحكمه العرض والطلب) وفى ظل التضخم المستعر الذى يضرب العالم وتتأثر به كافة الدول ومنها الدولة المصرية يصبح ترك السوق للعرض والطلب سيفًا مسلطًا على رقاب الطبقة الفقيرة وتأتى فلسفة الدعم من أجلهم لتخفيف العبء عنهم، وليس العكس.
وللنظر إلى ما حدث فى رغيف الخبز خارج منظومة الدعم عقب رفع سعر رغيف الخبز المدعم حيث شهد ارتفاعًا غير مبرر فى السعر لم يتمكن أحد من السيطرة عليه.
نعم هناك خلل فى منظومة الدعم لكن من الممكن حلها من خلال المنظومة الرقمية والتكامل بين الوزارات فى البيانات الخاصة بالمواطنين؛ وليس ما يعرف باستمارة تحديث البيانات التي تأتى لتضيف عبئا على كبار السن وهم الفئة الأكثر احتياجا للدعم.
فليس من المعقول أن الدولة بعد إنشائها منظومة متكاملة من رقمنة الخدمات وفى ظل الحكومة الإلكترونية أن تطلب من مواطن صور شهادات ميلاد الأبناء وبطاقات الرقم القومي وتلك البيانات موجودة بالفعل لدى وزارة التموين على المنظومة.
كما أن الحديث عن أن هناك أفرادًا فى بطاقات التموين توفوا ومازالوا يصرفون السلع بحسب تصريحات بعض المسؤولين حال الحديث عن إهدار الدعم؛ فهذا يعد عيبا فنيا خطيرًا فى المنظومة.
لأنه من الواجب أن تكون المنظومة أكثر ديناميكية من خلال ربطها بتحديث البيانات الخاصة بالأفراد المسجلين عليها حال تغير أي من بياناتهم على منظومة الأحوال المدنية.
أليست المنظومة تقوم بوقف الدعم مباشرة على أفراد الأسرة حال تجاوزه للقدر المحدد من استهلاك الكهرباء وتطالبه بتقديم ما يثبت عكس ذلك حال تضرره من القرار؟
أليس هذا نتاج ربط المنظومة باستهلاك المستفيد بالدعم من الكهرباء أو خدمات التليفون المحمول حال زيادته عن الحد المقرر؟
ألم يكن من الأولى ربطها بالأحول المدنية لفصل المتوفين من المستفيدين حال تسجيلهم على منظومة الأحوال المدنية والتي تستمد بياناتها مباشرة من حالات الإبلاغ عن الوفاة بمكاتب الصحة؟
كما أن عملية الشمول المالي جعلت حجم الدخل بالنسبة للعاملين بالقطاع الخاص والعام والحكومي معروفًا.
فتحديث البيانات لا يستلزم تلالًا جديدة من الأوراق فى ظل الربط بين كافة مؤسسات الدولة إلكترونيا.
أعود إلى رؤية الوزير التي يطرحها بشأن الدعم النقدي بدلا من الدعم العيني، والتي تحدث فيها عن تجارب بعض الدول وهنا أعرض تجارب دول أخرى
ما زالت تقدم الدعم العيني، أو الدعم النقدي المشروط، كما أن العديد من المنظمات الدولية باتت تتحدث لغة أخرى فى ظل أزمات الغذاء وارتفاع التضخم وهى التي كانت قبل ذلك تنادى بالتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، ومنها على سبيل المثال صندوق النقد الدولي الذى كان تاريخيًا من أكثر الجهات الداعية إلى خفض الدعم، فإنه أصبح يتحدث مؤخرا عن "الحماية الاجتماعية الموجهة" وضرورة الحفاظ على دعم السلع الأساسية فى الدول الهشة أو المعرضة للتضخم المرتفع.
برنامج الأغذية العالمي البرنامج الذي يدعم التحويلات النقدية فى بعض الحالات، لكنه شدد بعد أزمة الغذاء العالمية 2022 على أن الدعم العيني يظل ضروريًا عندما تتعرض الأسواق المحلية لنقص السلع أو انفلات الأسعار.
الإسكوا، أصدرت عدة دراسات بعد موجات التضخم العربي أكدت فيها أن التحول الكامل للدعم النقدي فى الدول العربية المستوردة للغذاء قد يعرض الأمن الغذائي لمخاطر كبيرة، خاصة مع تقلبات أسعار القمح والطاقة.
المفارقة أن المؤسسات نفسها التي كانت قبل 15 أو 20 عامًا تدفع بقوة نحو “تحرير الأسعار الكامل”، أصبحت اليوم أكثر حذرا، لأن التجارب أثبتت أن الأسواق العالمية لم تعد مستقرة كما كان يعتقد.
فأزمة كورونا وحدها رفعت أسعار الغذاء عالميًا بنسب تجاوزت 30% فى بعض السلع، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتكشف هشاشة الدول المعتمدة على الاستيراد.
لذلك، أصبح الخطاب الدولي الحالي يدور حول أهمية تقليل الهدر فى الدعم، وتحسين الاستهداف، واستخدام التكنولوجيا وقواعد البيانات، مع الدمج بين الدعم النقدي والعيني، والتأكيد على ضرورة حماية السلع الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي.
ففي ظل عالم يضربه التضخم بعنف، وعدم القدرة على مواجهة تفشي فساد تجار الأزمات، لم تعد قضية الدعم مجرد بند فى الموازنة العامة، بل أصبحت مسألة أمن قومي واجتماعي فى المقام الأول.
فالدول التي تعتمد على الاستيراد لتأمين غذائها، وتواجه تقلبات مستمرة فى الأسعار، تدرك جيدا أن الانتقال الكامل من الدعم العيني إلى الدعم النقدي قد يبدو جذابا على الورق، لكنه فى الواقع يحمل مخاطر قد تلتهم الطبقات الفقيرة قبل أن تصلها فوائد "الإصلاح الاقتصادي".
ولهذا، فإن الاتجاه العالمي الحديث لم يعد يقوم على فكرة “إلغاء الدعم العيني” بالكامل، بل على ما يمكن تسميته بـ "الدمج الذكي" بين الدعمين النقدي والعيني؛ أي الحفاظ على دعم السلع الاستراتيجية الحساسة، وعلى رأسها الخبز والحبوب والطاقة الأساسية، بالتوازي مع التوسع فى برامج الدعم النقدي المشروط التي تمنح الأسر قدرة أكبر على مواجهة تكاليف الحياة.
التجارب الدولية نفسها تؤكد أن الدول التي تخلت بشكل كامل عن الدعم العيني دفعت أثمانا اجتماعية واقتصادية باهظة، بينما حققت الدول التي مزجت بين النظامين نتائج أكثر استقرارًا وكفاءة.
فالتجربة الإيرانية ربما تكون المثال الأكثر وضوحًا على مخاطر التحول السريع. ففي عام 2010، ألغت طهران دعم الطاقة والسلع تدريجيًا، واستبدلته بتحويلات نقدية مباشرة للأسر. فى البداية بدت التجربة ناجحة، لكن مع ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة، فقدت المبالغ النقدية قيمتها الحقيقية، وعادت معدلات الفقر للارتفاع مجددًا. وبعد سنوات، اضطرت الحكومة الإيرانية لإعادة بعض أشكال الدعم العيني والرقابة السعرية على السلع الأساسية.
وفى المكسيك، أظهرت تجربة التحول إلى الدعم النقدي المشروط نجاحًا نسبيًا فى تحسين التعليم والصحة، لكنها واجهت انتقادات حادة مع موجات التضخم الغذائي، حيث فقدت التحويلات النقدية جزءًا كبيرًا من قيمتها الشرائية، ما أجبر الحكومة على إعادة التدخل لضبط أسعار بعض السلع الأساسية. وهنا ظهرت المشكلة الجوهرية: “النقد” يتآكل بسرعة فى الاقتصادات التضخمية، بينما يظل الدعم العيني أكثر قدرة على حماية الأمن الغذائي المباشر.
أما الهند، فلم تتخلَّ الحكومة عن نظام توزيع الغذاء المدعوم رغم التوسع فى التحويلات النقدية الرقمية.
بل على العكس، قامت خلال أزمة كورونا بتوسيع الدعم العيني ليشمل أكثر من 800 مليون مواطن، إدراكًا منها أن الدعم النقدي وحده لا يكفي فى أوقات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا.
حيث تقدم أضخم نظام دعم عيني فى العالم فتدير نظام التوزيع العام، والذي يوفر الحبوب الغذائية (الأرز والقمح) والسكر والكيروسين لمئات الملايين من المواطنين عبر شبكة ضخمة من "متاجر السعر العادل".
أما فى الولايات المتحدة الأمريكية هناك (برنامج SNAP / كروت التموين الإلكترونية) وهو نظام دعم عيني مقيد، حيث لا تمنح الدولة المواطن كاشًا فى يده، بل كارتًا إلكترونيًا مشحونًا بمبلغ مالي يستخدم فقط لشراء مواد غذائية محددة من المتاجر.
ويهدف هذا النظام إلى منع تبديد أموال الدعم فى سلع غير أساسية (مثل السجائر أو الترفيه)، وضمان توجيه الدعم اللوجيستي لتحسين التغذية داخل الأسر المستحقة.
أما البرازيل، التي كثيرا ما تقدم كنموذج ناجح للتحول نحو الدعم النقدي، فلم تعتمد على “الكاش” فقط، بل جمعت بين برنامج “بولسا فاميليا” (Bolsa Família) للتحويلات النقدية، وبرامج دعم غذائي مباشر ووجبات مدرسية مدعومة.
يقدم البرنامج دعماً مالياً شهرياً للأسر ذات الدخل المنخفض، مقابل التزام المستفيدين بضمان التحاق أطفالهم بالمدارس، وتلقيهم اللقاحات، وإجراء الفحوصات الصحية الدورية.
ووفقًا للبنك الدولي، ساهم البرنامج فى خفض معدلات الفقر المدقع بأكثر من 15% خلال سنوات قليلة، لكنه نجح لأنه بُني فوق شبكة حماية غذائية قائمة بالفعل، وليس بدلًا منها.
إن علاج تشوهات منظومة الدعم العيني تحتاج إلى اختيار نموذج يتوافق مع واقع المجتمع المصري، حيث يتم الدمج بين الدعم النقدي والعيني أو ما يسمى بالدمج الذكي؛ لأن الدعم النقدي الكامل قد يكون فى ظل تسارع التضخم بمثابة أزمة كبيرة ستواجهها الفئات المستهدفة.