في عالم تتغير ملامحه بسرعة غير مسبوقة، لم يعد التعليم مجرد خدمة تقدمها الدولة لمواطنيها، بل أصبح معيارًا حقيقيًا لقوة الدول وقدرتها على المنافسة وصناعة المستقبل.
من هنا جاءت الرسائل التي حملتها كلمة الدكتور مصطفى مدبولي ، رئيس مجلس الوزراء، خلال مشاركته فى فعاليات مؤتمر استشراف مستقبل مصر فى التعليم ، لتؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى التعليم باعتباره قضية أمن قومي.
فقد أدركت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، أن التحديات التي تواجهها لم تعد اقتصادية فقط، بل ترتبط بصورة مباشرة بقدرتها على بناء مواطن يمتلك أدوات العصر، ويستطيع التعامل مع المتغيرات العالمية المتسارعة، سواء فى التكنولوجيا أو الاقتصاد أو سوق العمل.
ولهذا أكد رئيس الوزراء أن جودة التعليم أصبحت اليوم معيارًا رئيسيًا لقياس قوة الدول، ليس فقط من حيث كفاءة نظمها التعليمية، وإنما من حيث قدرتها على إعداد أجيال تمتلك مهارات المستقبل، وقادرة على التفاعل مع عالم يعتمد بصورة متزايدة على المعرفة والابتكار.
وقد انعكست هذه الرؤية بوضوح على توجه الدولة نحو تطوير شامل لمنظومة التعليم، سواء على مستوى البنية الأساسية أو المناهج أو إعداد المعلمين أو التوسع فى إنشاء أنماط تعليمية جديدة، تستهدف ربط التعليم بمتطلبات التنمية وسوق العمل.
تراكمات عقود طويلة
الحديث عن تطوير التعليم فى مصر لا يمكن فصله عن التحديات المتراكمة التي عانت منها المنظومة لعقود طويلة، وفي مقدمتها ارتفاع كثافات الفصول، وتراجع جودة الخدمة التعليمية، وضعف الإمكانات مقارنة بالزيادة السكانية الضخمة.
وفي هذا السياق، استعاد رئيس الوزراء تجربة شخصية له خلال سنوات الدراسة، موضحًا أن الفصل الدراسي الذي كان يضم المتفوقين فى مدرسة حكومية متميزة قبل نحو 45 عامًا، كان يضم أكثر من 40 طالبًا، رغم أن عدد سكان مصر آنذاك كان أقل من نصف عدد السكان الحالي.
اليوم، ومع تجاوز عدد السكان 110 ملايين نسمة، تبدو التحديات أكثر تعقيدًا، لكن الدولة بحسب ما أشار إليه التقرير المعروض بالمؤتمر نجحت فى خفض متوسط كثافة الفصول إلى نحو 41 طالبًا، بعدما كانت بعض الفصول تتجاوز 100 طالب فى مناطق معينة.
ورغم أهمية هذا التطور، فإن الرسالة الأبرز التي حرص رئيس الوزراء على التأكيد عليها، هي أن القضية لم تعد مرتبطة فقط ببناء المدارس أو زيادة عدد الفصول، وإنما بجودة التعليم نفسه، ومدى قدرة المناهج التعليمية على مواكبة التحولات العالمية المتلاحقة.
قلب العملية التعليمية
ارتفاع نسبة حضور الطلاب داخل المدارس، هي واحدة من الظواهر التي توقفت عندها كلمة رئيس الوزراء والتي قفزت، وفقًا للتقرير، من 15% إلى 87%.
هذا التحول يعكس تغيرًا مهمًا فى فلسفة التعامل مع التعليم، خاصة بعد سنوات طويلة تراجع فيها دور المدرسة لصالح الاعتماد شبه الكامل على الدروس الخصوصية.
تدرك الدولة أن استعادة المدرسة لدورها الطبيعي تمثل الخطوة الأساسية فى أي مشروع إصلاحي حقيقي، باعتبارها المؤسسة القادرة على بناء الوعي، وصقل الشخصية الوطنية، وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة لدى الأجيال الجديدة.
ولهذا أشار رئيس الوزراء إلى حرصه خلال جولاته الميدانية بالمحافظات على زيارة المدارس بصورة مفاجئة أحيانًا، والتحدث مباشرة مع الطلاب والمعلمين، فى محاولة لقياس أثر التطوير على أرض الواقع بعيدًا عن التقارير المكتبية.
المعلم.. حجر الأساس فى الإصلاح
ورغم الحديث المتزايد عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتطوير المناهج، يبقى المعلم هو العنصر الحاسم فى نجاح أي منظومة تعليمية، وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء عندما وصف المعلم المصري بأنه “الدعامة الأولى للعملية التعليمية”.
فالدولة تدرك أن بناء مدرسة حديثة أو إدخال وسائل تعليم متطورة لن يكون كافيًا من دون معلم قادر على إدارة العملية التعليمية، وتحفيز الطلاب، وبناء علاقة إنسانية ومعرفية حقيقية داخل الفصل الدراسي.
ومن هنا، جاء التركيز خلال السنوات الأخيرة على تدريب المعلمين وتأهيلهم، إلى جانب تحسين أوضاعهم المادية، عبر الحوافز وزيادة المرتبات، فى إطار توجه يستهدف استعادة المكانة الحقيقية للمعلم داخل المجتمع.
كما شدد رئيس الوزراء على أن الدولة، رغم التحديات التمويلية والضغوط الاقتصادية العالمية، لا تزال تمنح قطاعي التعليم والصحة الأولوية الأكبر فى الاستثمارات الحكومية، باعتبارهما الأساس الحقيقي لبناء رأس المال البشري.
المناهج ومواكبة المستقبل
إن أحد أبرز محاور الإصلاح التعليمي فى مصر يتمثل فى تحديث المناهج وربطها بالتطورات العالمية ومتطلبات سوق العمل الحديثة، فالعالم الذي كان يسمح ببقاء المناهج التعليمية ثابتة لعشرات السنوات، لم يعد موجودًا، واليوم أصبحت التغيرات التكنولوجية والمعرفية تحدث بوتيرة سريعة، تفرض على النظم التعليمية مراجعة مناهجها بصورة مستمرة.
وفي هذا الإطار، أشار رئيس الوزراء إلى أهمية إدخال مفاهيم جديدة ترتبط بالذكاء الاصطناعي والشمول المالي والاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال، بما يضمن تخريج أجيال قادرة على المنافسة فى سوق عمل عالمي يتغير بصورة شبه يومية.
كما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا فى إنشاء الجامعات التكنولوجية والأهلية والدولية، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار فى التعليم، بهدف توفير أنماط تعليمية أكثر ارتباطًا بالتطبيق العملي والتكنولوجيا الحديثة.
طفرة فى التعليم العالي
قطاع التعليم العالي كان حاضرًا بقوة فى كلمة رئيس الوزراء، الذي أشار إلى أن عدد الجامعات فى مصر ارتفع من نحو 50 جامعة قبل عشر سنوات إلى أكثر من 120 جامعة حاليًا.
هذه الزيادة لا تعكس فقط توسعًا عدديًا، بل تمثل تحولًا فى فلسفة التعليم الجامعي نفسه، من خلال التوسع فى الجامعات التكنولوجية، وجذب الجامعات الدولية، وإنشاء أفرع لجامعات عالمية داخل مصر.
كما ساهم هذا التوسع فى تحسين حضور الجامعات المصرية داخل التصنيفات الدولية، سواء على مستوى الجامعات بشكل عام أو الكليات المتخصصة، وهو ما يعكس تحسنًا تدريجيًا فى جودة التعليم العالي والبحث العلمي.
الإصلاح يحتاج إلى وقت
ورغم المؤشرات الإيجابية التي تم عرضها خلال المؤتمر، حرص رئيس الوزراء على التأكيد أن ما تحقق يمثل “بداية الطريق”، وليس نهاية المطاف، وأشار إلى أن تجارب الدول التي حققت قفزات كبرى فى التعليم والتنمية البشرية – مثل الصين وسنغافورة وماليزيا – استغرقت عقودًا من العمل المتواصل، مؤكدًا أن مصر تخوض عملية إصلاح شاملة فى ظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
كما شدد على أن الدولة لا تشعر بالرضا الكامل عن ترتيبها الحالي فى مؤشرات رأس المال البشري، وأن الهدف خلال المرحلة المقبلة هو تحقيق قفزات أكبر وأكثر تأثيرًا، من خلال الاستمرار فى مسار الإصلاح والتطوير.
الطريق إلى الجمهورية الجديدة
فى النهاية، يبدو واضحًا أن الدولة المصرية تراهن بصورة أساسية على بناء الإنسان باعتباره المدخل الحقيقي لأي مشروع تنموي أو حضاري.
فالطرق والمدن الجديدة والمشروعات القومية، مهما بلغت أهميتها، لن تحقق أهدافها الكاملة من دون مواطن يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير والإبداع.