يبدو هذا الفيلم لأول وهلة تجربة طموحة وجريئة، رغم أنه أول عمل روائي طويل لكاتب القصة والمخرج المصري ساندرو كنعان، ولكاتب السيناريو والحوار أحمد بدوي، والاثنان واعدان جدا، لكن الحلو لا يكتمل، والجرأة والانتقاد الاجتماعي المستتر سرعان ما يدخل إلي دوائر أخري، ربما نتيجة للطموح الزائد، أو بسبب عدم ضبط الخطوط والعلاقات، أو لأنها أخطاء التجربة الأولي علي وجه العموم.
الفيلم يحمل عنوانا غريبا يميل إلي التلميح، كما في عناوين أفلام مثل « اللي بالي بالك » و« سيكو سيكو »، العنوان هو « الكلام علي إيه ؟! أول ليلة»، والفيلم صنفته الرقابة للمشاهدين فوق سن الرابعة عشرة، بعد أن حدد حكايته في متابعة ثلاثة متزوجين في ليلة زفافهم، ومعظم أحداث فيلمنا تدور فعلا في تلك الليلة، مع مشاهد أخيرة لصباح اليوم التالي، أي أننا أمام كوميديا تدور في عدد محدد من الساعات، وكان يمكن أن يتم الاكتفاء في العنوان بكلمتي «أول ليلة»، ولدينا عمل كوميدي قديم شهير لإسماعيل ياسين وحسن فايق بعنوان "ليلة الدخلة"، ولكن اختيار عبارة "الكلام علي إيه؟" منح العنوان بعض الغموض والسرية، وأعادنا من جديد إلي معني ضمني لا يمكن التصريح به، ولكن يعرفه المتفرج، وبما يدخل تحت بند "السيكو سيكو" المسكوت عنه.
المفاجأة أن الفيلم فعلا وبالأساس عن علاقات الأزواج الثلاثة الحميمة في ليلة الزفاف، ليس بخفة فيلم مثل «شهر عسل بدون إزعاج»، أو فيلم مثل «ممنوع في ليلة الدخلة»، ولكن بنوع من الانتقاد لنماذج محددة، ولبعض التقاليد الاجتماعية، وبما يحتمل أيضا السخرية من النظرة الشرقية للعلاقات الجسدية، وفي إطار كوميديا الموقف، ومن خلال الانتقال بين الأزواج الثلاثة في نفس الليلة.
دخول الفيلم الي هذه المنطقة الخطرة المسكوت عنها هو ما يحسب للتجربة، ولكن إلي أي مدي تم تحقيق ذلك سواء علي مستوي الدراما أوعلي مستوي الكوميديا؟!
إلي حد كبير نحن أمام الكثير من المشاهد الظريفة، أخذا في الاعتبار أن الكتابة هنا تسير علي حد السيف، وأن المحظورات أكثر من المسموح به، أما من حيث اختيار النماذج والشخصيات فهناك بعض التوفيق، وبعض الإخفاق، إذ لم يكتف الفيلم بالأزواج الأربعة المرتبطين بوقائع ليلة الزفاف، لكنه أضاف علاقة خامسة يفترض أن ترتبط بالقصص الأربعة، وهنا حدثت «اللخبطة»، التي وضحت معالمها تماما في الجزء الأخير من الفيلم.
الحالات الخمس هي أولا الزوج عبده (مصطفي غريب) وعروسه رضا (دنيا سامي)، وهما من منطقة شعبية، كتبا كتابهما من فترة، ودخل عبده فعلا بعروسه قبل يوم الزفاف، والآن يجهزان لإتمام مراسم الفرح الشعبي.
الحالة الثانية للزوج العجوز صابر (سيد رجب)، الذي يتزوج من ألفت حبيبة الماضي (انتصار)، بعد أن ماتت زوجته، ومات زوجها، وعلي الرجل المريض أن يقوم بواجباته الزوجية دون أن يفقد صحته.
الحالة الثالثة لزوجين من طبقة اقتصادية غنية هما كريم (أحمد حاتم)، وعروسه خديجة (آية سماحة)، يسرف كريم في الشراب والمخدرات، وتتهمه عروسه بأنه غير مسئول.
الحالة الرابعة لاثنين خجولين وبدون تجارب علي الإطلاق هما مدرس اللغة العربية عاطف (حاتم صلاح)، وعروسه المحاسبة هدير جيهان الشماشرجي، وهذا الثنائي هما الأكثر إضحاكا وحضورا وربما تأثيرا بين كل شخصيات الفيلم.
أما الحالة الخامسة فبطلها الديلر بسّة (خالد كمال)، وكان يمكن أن يكتفي الفيلم بدوره في الظهور لمساعدة بعض العرسان، لكن السيناريو جعل له حكاية حب مع ممرضة تدعي نور (دنيا ماهر)، وبالإضافة إلي افتعال ظهور نور في النهاية، ولجوء الشخصيات إلي المستشفي الذي تعمل فيه نور بالذات، وهو مستشفي استثماري فاخر، فإن علاقة بسّة ونور تعمل في سياق آخر، بعيدا عن تحليل علاقة العرائس بالجسد في ليلة الزفاف، إنها قصة رومانسية تماما، ولا علاقة لها بمشاكل ومحظورات الليلة الأولي.
داخل كل قصة أيضا هناك أشياء ذكية وأخري مفتعلة، مثل حكاية «الدخلة البلدي» في قصة عبده ورضا، وافتعال مشاجرات طويلة بين أهل العروسين وصولا إلي هذا التحدي، وفي علاقة كريم وخديجة مثلا تبدو المشكلة بينهما ضبابية، ونظن أحيانا أن العروسين يعانيان من اضطراب نفسي، ثم يعترف كريم بأنه يتهرب من الالتزام، دون أن نعرف لماذا وافق علي الارتباط أصلا؟!
لكن المشكلة الأكبر، والتي أثرت تماما علي بناء الفيلم سردا وإيقاعا، هي الفشل في تضفير هذه الحكايات في معظم الوقت، الي حد الاستغراق في علاقة ما في مشاهد متتالية، ثم تذكّر العلاقات الأخري، والسيناريو الذي يعتمد علي هذا العدد الكبير نسبيا من الشخصيات والعلاقات والأحداث، لا يمكن أن يكتسب شكلا متماسكا إلا عبر تضفير متقن ومتوازن علي مستوي الكتابة أولا، ثم من خلال المونتاج بعد ذلك، وهو ما لم يتحقق في معظم أوقات الفيلم.
هناك لمحات انتقادية ظريفة بالذات فيما يتعلّق ببعض التقاليد الشعبية البائسة، التي تجعل علاقة المتزوجين أقرب إلي الفضيحة، تحت دعوي التأكد من شرف الفتاة، وعذريتها، وبينما شاهدنا علاقة عروسين يعانيان من الخجل الشديد، إلا أن السيناريو لم يقدم تفصيلات عن بيئتهما المحافظة، مما جعل الاثنين أقرب إلي كائنات منقرضة في زمن الإنترنت والفضائيات، مع أن هذه النماذج موجودة فعلا، ولكنها تحتاج إلي تفاصيل أعمق في رسم ملامحها.
من ناحية أخري، لم يكن الفيلم في حاجة إلي إغلاق أقواس حكاياته علي الإطلاق، فقد وصلت إلينا تماما حالة الفوضي التي تعيشها شخصياته بسبب الواجبات الزوجية، وهو أمر يبدو مرتبطا بالتربية والتقاليد، حتي مع التطور والانفتاح ومناقشة المعلومات الصريحة عن العلاقات الزوجية في الفضائيات.
بدا لي في الجزء الأخير من الفيلم أن الكلام ابتعد عن موضوع تلك العلاقات الشائكة، واتجه للحديث عن العلاقة الزوجية عموما، وعن أهمية التفاهم والتعارف، والحقيقة أن هذا الجزء الأخير أحدث ارتباكا كاملا، وجعلني أتساءل فعلا: «هو الكلام علي إيه حقا؟!».
لكني أقدّر جدا مغامرة ساندرو وبدوي في أول فيلم لهما، وهما يستطيعان أن يحققا الكثير في الكوميديا الاجتماعية بالذات.
اختيار ساندرو لممثليه ممتاز، وقد نجح مع بدوي في تقديم مشاهد ضاحكة جيدة للغاية، كل الأبطال لهم مشاهد ضاحكة، وهو أمر صعب علي تفاوت الأجيال، وكان الأكثر توفيقا الثنائي حاتم صلاح وجيهان الشماشرجي في دورين بعيدين تماما عن المتوقع، ونجحا فيه بامتياز، ويأتي بعدهما الثنائي سيد رجب وانتصار.
بين الجرأة واللخبطة، والدخول في الممنوع، والنهايات المغلقة التقليدية، تستحق هذه التجربة أن يستفاد بها، وأظن أن هذا الجيل من المخرجين من الكتاب يمكنهم أن يقدموا الأفضل والأجرأ، في تجارب ومغامرات أخري قادمة.