تحدثت في المقال السابق حول أهمية أن يكون لدينا استراتيجية إعلامية احترافية للمشروعات القومية ، وانصب مجمل حديثي علي أن ذلك حق المواطن والدولة، وفي المقال التالي سوف يستمر فيه الحديث عن تلك الاستراتيجية وأهميتها مع بعض التفاصيل حول المحاور الرئيسية وكيف يمكن تنفيذها، والتطبيق علي مشروع من تلك المشروعات الكبري واخترت أحدثها وهو مشروع الدلتا الجديدة ».
ففي الحالة المصرية تحديدًا، حيث تخوض الدولة منذ سنوات، واحدة من أكبر موجات البناء والتنمية في تاريخها الحديث، تبدو الحاجة ملحّة للانتقال من مفهوم «التغطية الإخبارية التقليدية» إلي مفهوم أكثر عمقًا وتأثيرًا يقوم علي « صناعة السردية الوطنية التنموية »، وهذا التحول لم يعد ترفًا إعلاميًا، بل ضرورة استراتيجية، لأن المواطن لم يعد يكتفي بسماع أرقام الإنفاق
أو نسب التنفيذ، بل يريد أن يعرف كيف سيؤثر هذا المشروع علي حياته؟ ماذا سيضيف لأسرته؟ وكيف سيغيّر شكل الاقتصاد وفرص العمل ومستقبل الأجيال القادمة؟، ومن هنا، تبرز ببساطة شديدة أهمية بناء استراتيجية إعلامية احترافية للمشروعات القومية، تقوم علي تحويل المشروع من «خبر» إلي «قصة وطن»، ومن «بيان رسمي» إلي «وعي مجتمعي مستدام».
وأعتقد أنني لا أذيع سرًا حينما أقول، إنه علي مدار سنوات طويلة، ارتبط تناول المشروعات القومية في كثير من الأحيان بالنمط التقليدي القائم علي البيانات الرسمية والتغطيات البروتوكولية والاحتفاء بالأرقام والافتتاحات، وهو نموذج ربما كان مناسبًا في مراحل سابقة، لكنه لم يعد كافيًا في عصر الإعلام الرقمي والتدفق المعلوماتي الهائل.
فالعالم اليوم يتحدث بلغة «السردية»، أي القدرة علي بناء قصة متماسكة ومقنعة حول المشروع، تربط بين الحاضر والمستقبل، وبين ما تنفذه الدولة وما يشعر به المواطن في حياته اليومية، وفي التجارب الدولية الناجحة، لم تكن المشروعات الكبري تُقدم باعتبارها خرسانة وحديدًا فقط، وإنما باعتبارها أدوات لتغيير حياة البشر وتحقيق الاستقرار وتحسين جودة الحياة وخلق فرص جديدة، وهنا تحديدًا تكمن النقطة الفارقة التي تحتاج إليها التجربة المصرية إعلاميًا خلال المرحلة المقبلة.
أما فيما يتعلق بالرؤية الخاصة لتلك الاستراتيجية، ببساطة شديدة يجب أن يتصدرها عنوان رئيسي وهو "المواطن شريك لا متلقٍ" ، وأن تنطلق من بناء قوامه وعي مجتمعي شريك، يري في هذه المشروعات ركيزة للتنمية المستدامة، وليس مجرد متابع سلبي لما يحدث، وأن تفرض تغييرًا جوهريًا في طريقة الخطاب الإعلامي نفسه، بحيث يصبح أكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة علي تبسيط المعلومات المعقدة، وأكثر اعتمادًا علي الحقائق الموثقة والقصص الإنسانية الحقيقية، لأن نجاح أي مشروع قومي لم يعد يُقاس فقط بحجم الإنجاز الهندسي، بل أيضًا بمدي قدرة الدولة علي خلق حالة اقتناع مجتمعي مستدامة بأهمية هذا المشروع وجدواه الاقتصادية والاجتماعية.
وتتمثل أهم ركائز هذه الاستراتيجية المقترحة في ما يمكن وصفه بـ «أنسنة المشروعات القومية»، أي الانتقال من لغة الأرقام الجامدة إلي لغة البشر، فعندما يري المواطن قصة مهندس شاب شارك في تنفيذ مشروع عملاق أو عامل بسيط تغيرت حياته بسبب فرصة عمل وفّرها المشروع أو أسرة تحسنت ظروفها المعيشية بفضل تطوير منطقة أو إنشاء محور مروري جديد، تصبح الرسالة أكثر تأثيرًا ومصدقية من أي خطاب رسمي تقليدي، فالمشروعات القومية في جوهرها ليست خرائط هندسية، بل حكايات بشرية، وكلما نجحت وسائل الإعلام في التقاط هذه الحكايات وتقديمها بصورة احترافية، زادت قدرة المشروع علي التغلغل داخل الوعي العام، ولهذا، فإن إنتاج محتوي قصصي وإنساني يجب أن يصبح جزءًا أصيلًا من الخطاب الإعلامي الرسمي، سواء عبر التقارير التليفزيونية أو الأفلام الوثائقية أو المحتوي الرقمي القصير المخصص لمنصات التواصل الاجتماعي.
وأيضا من بين أهم ركائز هذه الاستراتيجية «الشفافية الاستباقية»، ففي عصر « السوشيال ميديا »، تتحرك الشائعة بسرعة هائلة، وأحيانًا تسبق المعلومة الرسمية نفسها، لذلك، فإن أي استراتيجية إعلامية ناجحة يجب أن تقوم علي مبدأ «الشفافية الاستباقية»، أي توفير المعلومات قبل أن تترك فراغًا تملؤه التأويلات أو الحملات المضادة وهنا تظهر أهمية إنشاء منصات رقمية تفاعلية ولوحات بيانات محدثة باستمرار تعرض نسب الإنجاز والتكلفة والعائد الاقتصادي والتحديات القائمة بصورة واضحة ومبسطة، كما أن الاعتراف بالتحديات أو التأخيرات – حين تحدث – يعزز المصداقية ولا ينتقص منها، لأن المواطن بات أكثر قدرة علي التمييز بين الخطاب الواقعي والخطاب الدعائي، والأهم أن تكون هناك سرعة في الرد علي التساؤلات المثارة، خاصة في القضايا المتعلقة بالتكلفة أو الأولويات الاقتصادية أو العائد الاجتماعي للمشروعات الكبري.
وثالث هذه الركائز المهمة هي «تعدد المنصات والوسائط»، وأقصد هنا الرسالة الواحدة بأدوات مختلفة، فلم يعد الإعلام التقليدي وحده قادرًا علي الوصول إلي كل الفئات، لذلك، تعتمد الاستراتيجية الحديثة علي مفهوم «تعدد المنصات والوسائط»، بحيث تُقدَّم الرسالة نفسها بأشكال مختلفة تناسب كل جمهور، فالشباب يتفاعلون أكثر مع الفيديوهات القصيرة والـ «ريلز» والمحتوي البصري السريع، بينما يفضّل المتخصصون التقارير التحليلية والبيانات التفصيلية، في حين تستجيب قطاعات واسعة للأعمال الوثائقية والدرامية ذات البعد الإنساني، ومن هنا، يصبح من الضروري الاستثمار في إنتاج محتوي متنوع يشمل أفلامًا وثائقية احترافية، محتوي رقمي تفاعلي، انفوجرافيك مبسط، جولات افتراضية باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي، حملات ميدانية وزيارات مباشرة للمشروعات، فالرسالة الإعلامية لم تعد نصًا يُقرأ فقط، بل تجربة متكاملة يعيشها الجمهور ويتفاعل معها.
وأختتم حديثي عن الركائز المهمة لتلك الاستراتيجية بالتأكيد علي أن أي استراتيجية احترافية لا يمكن أن تستمر دون آليات قياس حقيقية، ولهذا، يصبح من الضروري إنشاء وحدة متخصصة لرصد وتحليل اتجاهات الرأي العام تجاه المشروعات القومية، وقياس مدي تفاعل الجمهور مع الرسائل الإعلامية المختلفة، هذه الوحدة يجب أن تعتمد علي أدوات تحليل البيانات وقياس نسب التفاعل والثقة والتأثير، بحيث يتم تعديل الخطاب الإعلامي باستمرار وفقًا للنتائج الفعلية، وليس وفق التقديرات الانطباعية، أما فيما يتعلق بتطبيق هذه الاستراتيجية علي نموذج من المشروعات القومية وهو مشروع «الدلتا الجديدة»، كنموذج للسردية التنموية، فهو كما سبق وقلت، نموذج مثالي للتطبيق، ويمثل فرصة استثنائية لبناء سردية تنموية متكاملة، فالمشروع لا يتعلق فقط باستصلاح ملايين الأفدنة، بل يرتبط مباشرة بواحدة من أهم قضايا الأمن القومي المصري وهي قضية «الأمن الغذائي».
ومن هنا، فإن وضع خطة إعلامية لتقديم المشروع إعلاميًا يجب ألا يقتصر الحديث فيها عن المساحات المزروعة أو حجم المعدات المستخدمة، وإنما يجب أن يربط بين المشروع وبين رغيف الخبز واستقرار الأسعار وتوفير فرص العمل وتقليل فاتورة الاستيراد وتأمين احتياجات الأجيال المقبلة.
يمكن أيضا التركيز علي بناء الوعي المعرفي بالمشروع من خلال إطلاق منصات رقمية تفاعلية تعرض الخرائط ونسب التنفيذ والمعلومات الأساسية بصورة مبسطة، كما يمكن إنتاج سلسلة وثائقية قصيرة بعنوان «حكاية أرض» توثق رحلة تحويل الصحراء إلي مناطق زراعية منتجة، مع التركيز علي الجهد البشري والتكنولوجي المبذول في المشروع، فهذه النوعية من المحتوي لا تنقل المعلومة فقط، بل تبني ارتباطًا نفسيًا وعاطفيًا بين المواطن والمشروع، وأيضا «من الدلتا لبيتك»، فعندما يفهم المواطن أن هذا المشروع يساهم في استقرار أسعار السلع وتوفير المنتجات الزراعية وتقليل الاعتماد علي الخارج، فإنه ينظر إليه باعتباره مشروعًا يمسه شخصيًا، وليس مجرد مشروع حكومي بعيد عنه، ولهذا، فإن حملات من هذا النوع يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في توضيح العلاقة بين الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، كما أن تنظيم زيارات ميدانية للمؤثرين والإعلاميين وصناع المحتوي إلي مواقع المشروع يمنح الجمهور صورة حقيقية مباشرة بعيدًا عن النقل التقليدي.
أما فيما يخص الترويج الاستثماري، ومخاطبة الخارج بلغة الاقتصاد، وبما أن المشروعات القومية لا تخاطب الداخل فقط، بل تمثل أيضًا رسالة للخارج عن قدرة الدولة المصرية علي التخطيط والتنفيذ، وفي حالة «الدلتا الجديدة»، فإن إبراز البنية التحتية الحديثة والتكنولوجيا المستخدمة وفرص التصنيع الزراعي يمكن أن يحول المشروع إلي نقطة جذب استثماري مهمة، ومن هنا تأتي أهمية إنتاج مواد إعلامية موجهة للمستثمرين العرب والأجانب، تتحدث بلغة الاقتصاد والعائد والاستدامة، وليس فقط بلغة الإنجاز المحلي.
يا سادة: إن ما تبنيه الدولة علي الأرض يحتاج إلي خطاب إعلامي يوازيه في القوة والاحترافية والقدرة علي الإقناع، فالمشروعات القومية ليست مجرد إنجازات هندسية، بل هي جزء من معركة بناء الوعي والثقة والأمل، وإذا كانت الدولة قد نجحت خلال السنوات الماضية في إنجاز مشروعات ضخمة بوتيرة غير مسبوقة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تطويرًا موازيًا في أدوات تقديم هذه الإنجازات للرأي العام.
المعادلة الجديدة لم تعد تقوم علي «ماذا أنجزنا فقط؟»، بل علي «كيف نجعل المواطن يري أثر ما أُنجز في حياته ومستقبله؟»، وهنا تحديدًا تبدأ قوة السردية الوطنية التنموية، السردية التي تجعل المواطن يشعر أن هذه المشروعات ليست مشروعات الدولة وحدها، بل مشروعاته هو أيضًا، ومستقبل أبنائه، وضمانة استقرار وطنه في عالم شديد الاضطراب.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن