استكمالًا لمبادرة "روشتة ذهبية" التي يقدمها المركز الإفريقي لخدمات صحة المرأة ، أوضحت الدكتورة ميرفت السيد ، مدير المركز الإفريقي لخدمات صحة المرأة واستشاري طب الطوارئ والإصابات واستشاري طب المناطق الحارة، أن التغيرات البيئية أصبحت من أهم التحديات التي تواجه صحة الإنسان في العصر الحديث، لما لها من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الأفراد والمجتمعات.
وأشارت إلى أن التغيرات البيئية تشمل العديد من العوامل مثل تلوث الهواء والمياه، والتغيرات المناخية، والتعرض للمواد الكيميائية الضارة، وفقدان التنوع البيولوجي، بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية المختلفة. وتنعكس هذه التغيرات سلبًا على صحة الإنسان، خاصة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر مثل الأطفال وكبار السن والحوامل وأصحاب الأمراض المزمنة وضعف المناعة.
وأكدت أن تلوث الهواء يعد من أخطر المشكلات البيئية، حيث يؤدي إلى زيادة معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية المزمن ومرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، كما يرتبط بارتفاع معدلات أمراض القلب والأوعية الدموية وبعض أنواع السرطان. وتشير العديد من الدراسات إلى وجود تأثيرات سلبية لتلوث الهواء على الجهاز العصبي والقدرات الإدراكية، مع زيادة احتمالية الإصابة بالأمراض التنكسية العصبية مثل مرض الزهايمر.
وأضافت أن التغيرات المناخية وما يصاحبها من ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر تؤدي إلى زيادة حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس، كما أن تزايد الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف وحرائق الغابات يتسبب في إصابات جسدية وأزمات نفسية متعددة تشمل القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة. كما يسهم تغير المناخ في زيادة انتشار الأمراض المعدية المنقولة بالمياه أو الحشرات، مثل الملاريا وحمى الضنك، فضلًا عن تأثيره على الإنتاج الزراعي وما يترتب عليه من نقص الغذاء وسوء التغذية، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
وأوضحت أن تلوث المياه يمثل تهديدًا صحيًا بالغ الخطورة عندما تختلط مصادر المياه بالنفايات الصناعية أو المخلفات الزراعية أو مياه الصرف الصحي غير المعالجة، مما يؤدي إلى انتقال العديد من الأمراض المعدية مثل الكوليرا والتيفوئيد والإسهال الحاد والتهاب الكبد الوبائي (أ). كما أن التعرض المزمن للمواد الكيميائية والمعادن الثقيلة الموجودة في المياه الملوثة، مثل الرصاص والزئبق، قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض الكلى والكبد والجهاز العصبي، إضافة إلى تأثيراته السلبية على الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي.
كما لفتت إلى أن فقدان التنوع البيولوجي يمثل أحد التحديات البيئية المؤثرة على صحة الإنسان، حيث يؤدي تراجع التنوع الحيوي نتيجة التلوث وإزالة الغابات والتغيرات المناخية إلى اختلال التوازن البيئي. وينعكس ذلك على قدرة النظم البيئية على تنقية الهواء والمياه، كما يؤثر على إنتاج الغذاء نتيجة انخفاض أعداد الكائنات الملقحة مثل النحل، ويزيد من احتمالات انتقال بعض الأمراض المعدية من الحيوانات إلى الإنسان. كما أن العديد من الأدوية الحديثة تعتمد في أصلها على مركبات مستخلصة من النباتات والكائنات الحية، مما يجعل الحفاظ على التنوع البيولوجي ضرورة صحية وعلمية.
وأشارت إلى أن التعرض للمواد الكيميائية الضارة من خلال الهواء أو الماء أو الغذاء أو التربة يمثل خطرًا متزايدًا على الصحة العامة، خاصة في المناطق الصناعية والزراعية. وتشمل هذه المواد المبيدات الحشرية والمعادن الثقيلة والمركبات الكيميائية الصناعية، والتي ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالسرطان واضطرابات الجهاز العصبي وأمراض الكبد والكلى والقلب، فضلًا عن تأثيراتها السلبية على التوازن الهرموني والنمو والصحة الإنجابية، لا سيما لدى الأطفال والنساء الحوامل.
وأضافت أن الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات والأعاصير وحرائق الغابات تؤدي إلى خسائر بشرية وإصابات مباشرة قد تشمل الكسور والجروح والحروق، كما تتسبب في تدمير البنية التحتية والخدمات الصحية، مما يعيق وصول المتضررين إلى الرعاية الطبية اللازمة. وبعد وقوع الكوارث ترتفع معدلات انتشار الأمراض المعدية نتيجة نقص المياه النظيفة والغذاء والمأوى، بالإضافة إلى التأثيرات النفسية الممتدة التي قد تستمر لفترات طويلة وتؤثر على جودة الحياة والقدرة على العمل والإنتاج.
وأكدت الدكتورة ميرفت السيد أن الحفاظ على البيئة هو استثمار مباشر في صحة الإنسان وجودة حياته، وقدمت عشرة نصائح مجتمعية للمساهمة في حماية البيئة:
1. زراعة شجرة أو أكثر للمساهمة في تقليل الاحتباس الحراري وتنقية الهواء من الغازات الضارة.
2. التقليل من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام واستبداله ببدائل صديقة للبيئة.
3. ترشيد استهلاك المياه وإصلاح أي تسريبات فور اكتشافها.
4. تشجيع المشي واستخدام الدراجات كلما أمكن بدلًا من الاعتماد الكامل على السيارات.
5. إعادة الاستخدام وإعادة التدوير للورق والزجاج والمعادن المختلفة.
6. تبني أنماط غذائية مستدامة تعتمد على المنتجات المحلية الطازجة وتقليل الأطعمة المصنعة.
7. ترشيد استهلاك الطاقة بإطفاء الأجهزة غير المستخدمة واستخدام الوسائل الموفرة للطاقة.
8. الاستخدام الرشيد للموارد وتقليل الهدر في مختلف مجالات الحياة اليومية.
9. الاعتماد على البدائل الإلكترونية مثل التذاكر والوثائق والصحف الرقمية للحد من استهلاك الورق.
10. الاستعداد للكوارث الطبيعية ودعم خطط الاستجابة السريعة للحد من آثارها الصحية والبيئية.
وأكدت الدكتورة ميرفت السيد أن الأنشطة البيئية والتطوعية تمثل ركيزة أساسية لدعم التنمية المستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية، إلا أن نجاح هذه الأنشطة يتطلب توفير بيئة عمل آمنة تحافظ على صحة وسلامة المتطوعين وتشجع على زيادة المشاركة المجتمعية.
وأوضحت أن المتطوعين قد يتعرضون لعدد من المخاطر أثناء تنفيذ الأنشطة البيئية، تشمل الإصابات الجسدية الناتجة عن السقوط أو الجروح أو لدغات الحشرات أثناء أعمال التنظيف والتشجير، بالإضافة إلى المخاطر الصحية الناتجة عن التعرض للهواء الملوث أو المواد الكيميائية أو النفايات الملوثة، فضلًا عن احتمالية الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس خلال فترات العمل الميداني في الأجواء الحارة. كما قد يتعرض بعض المتطوعين لضغوط نفسية وإرهاق ذهني نتيجة العمل المكثف أو الظروف البيئية الصعبة.
ومن أهم إجراءات الحفاظ على صحة وسلامة المتطوعين:
1. توفير التدريب والتوعية المسبقة حول المخاطر المحتملة والإسعافات الأولية وأساليب الوقاية.
2. توفير واستخدام معدات الحماية الشخصية المناسبة مثل القفازات والأقنعة والأحذية الواقية والملابس الملائمة.
3. ضمان الإشراف والتنظيم الجيد للأنشطة من خلال فرق متخصصة ومدربة.
4. توفير دعم طبي ميداني عند الحاجة وتشجيع المتطوعين على إجراء الفحوصات الطبية الدورية.
5. مراعاة الحالات الخاصة مثل الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة عند توزيع المهام التطوعية.
واختتمت الدكتورة ميرفت السيد حديثها بالتأكيد على أن حماية البيئة وحماية صحة الإنسان هدفان متلازمان، وأن نشر الوعي البيئي وتعزيز المشاركة المجتمعية يمثلان حجر الأساس لبناء مجتمعات أكثر صحة واستدامة للأجيال الحالية والقادمة.