الهجرة النبوية.. وبناء الأمة

الهجرة النبوية.. وبناء الأمةالشيخ مصطفى شلبي الأزهري

الرأى14-6-2026 | 14:09

تُعد الهجرة النبوية الشريفة من أعظم الأحداث في تاريخ الإنسانية ذلكم الحدث الذي غير موازين التاريخ فلم تكن الهجرة مجرد انتقال من مكان إلى مكان ولا فراراً من أذى المشركين وإنما كانت تنفيذاً لخطة إلهية محكمة وإيذاناً بمرحلة جديدة في مسيرة الدعوة الإسلامية فقد انتقلت فيها الرسالة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين ومن الدعوة المحدودة إلى بناء الدولة والحضارة.

فلقد هيأ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم للهجرة منذ بداية بعثته، وأخبره أن دعوته ستتجاوز حدود مكة لتبلغ الآفاق.

فعندما عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل في مواسم الحج، وكان يبحث عن أرض تحتضن الدعوة وتحمي الرسالة كان ذلك بإرشاد من الله وتدبير منه سبحانه.

ثم جاءت بيعة العقبة الأولى والثانية لتكونا مقدمة عملية للهجرة المباركة، ولصعوبة الهجرة على الصحابة تدرج النبي ﷺ في أمرهم بها وإخبارهم بمكانها ووجهتها فقد روى البخاري عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله ﷺ لأصحابه :" إني أُرِيتُ دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قِبَل المدينة رواه البخاري وقال ابن كثير : فهاجر من هاجر قِبَل المدينة ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة إلى المدينة.

لقد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة أمراً صعباً وشاقاً على النبي ﷺ وعلى أصحابه رضوان الله عليهم وإن أصابهم فيها ما أصابهم من بلاء وعذاب لأنها وطنهم الذي وُلِدُوا وتربوا فيه وعاشوا على أرضه بِلاَدِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عزيزة وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ.

ولم تكن المدينة المنورة اختياراً عشوائياً بل كانت اختياراً ربانياً يحمل من الحكمة ما يعجز العقل البشري عن إدراك جميع أبعاده، فقد اجتمع فيها الاستعداد النفسي لقبول الإسلام، والقدرة على حماية الدعوة، والموقع المناسب الذي يجعلها نقطة انطلاق لنشر نور الإسلام في الجزيرة العربية ثم إلى العالم كله.

ومن أعظم دروس الهجرة أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله.

فقد خطط النبي ﷺ للهجرة بدقة بالغة واختار الرفيق الصالح وهو سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، وحدد طريقاً غير معتاد، واستعان بدليل خبير بالطرق، ومكث في غار ثور أياماً محددة ومع ذلك كان قلبه معلقاً بالله وحده، يقول لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾

و من دروس الهجرة أنها تُعلمنا أن التضحية من أجل العقيدة شرف عظيم فقد ترك المهاجرون أوطانهم وأموالهم وتجاراتهم وأهليهم ابتغاء مرضاة الله، فضربوا أروع الأمثلة في الإيمان واليقين والثبات على المبدأ.

ومن الدروس العظيمة أيضاً أن الإسلام دين بناء وعمران فبمجرد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بدأ ببناء المسجد ثم آخى بين المهاجرين و الأنصار وأرسى قواعد التعايش والسلم المجتمعي ووضع وثيقة المدينة أول وثيقة عرفها العالم لحقوق الإنسان و العلاقات بين الناس فقد نظمت العلاقات بين مكونات المجتمع المختلفة فكانت النواة الأولى لدولة قائمة على العدل والرحمة و قبول الآخر و التعايش السلمي والقيم الإنسانية الرفيعة.

لقد كانت الهجرة تأسيساً حقيقياً لدولة الإسلام ومنها انطلقت الرسالة إلى أنحاء الأرض فدخل الناس في دين الله أفواجاً وانتشر نور الإسلام شرقاً وغرباً وتحولت المدينة المنورة إلى مركز إشعاع حضاري وعلمي وأخلاقي لم يعرف التاريخ له مثيلاً.

إن إحياء ذكرى الهجرة لا يكون بمجرد سرد أحداثها وإنما يكون باستخلاص معانيها العظيمة، فالإيمان بالله والثقة بوعده والصبر على البلاء والتخطيط للمستقبل والتضحية من أجل المبادئ والعمل الجاد لبناء الأوطان والمجتمعات على أساس من الدين و مكارم الأخلاق.

ف الهجرة النبوية ليست ذكرى تاريخية فحسب بل هي مدرسة متجددة تعلم الأمة في كل عصر كيف تنتقل من الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن اليأس إلى الأمل، ومن التخلف إلى النهضة إذا صدقنا مع الله وأخذنا بأسباب النجاح.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا فقه الهجرة ودروسها وأن يجعلنا من السائرين على هدي نبينا صلوات ربي وسلامه عليه و من العاملين لنصرة دينه وخدمة أوطانهم وأمتهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أضف تعليق

واكتملت المهمة

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان