مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى، وبينما يسعى عدد من نواب الحزب الجمهورى إلى النأى بأنفسهم عن سياسات الرئيس دونالد ترامب المثيرة للجدل، حتى لا تؤثر على فرصهم الانتخابية، انضم عدد من النواب الجمهوريين إلى زملائهم الديمقراطيين فى التصويت لصالح مشروع يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس الأمريكى فى اتخاذ قرار شن عمليات عسكرية جديدة ضد إيران دون موافقة الكونجرس، وهو ما رآه البعض بداية تمرد، ومؤشرًا على تنامى الانقسام داخل الحزب الجمهورى.
فى هذا السياق، ركزت صحيفة "وول ستريت جورنال"، على الجانب السياسى الداخلى أكثر من الجانب العسكرى، حيث رأت أن تصويت مجلس النواب، الذى يسيطر عليه الجمهوريون، لتقييد صلاحيات الرئيس فى الحرب على إيران، كشف عن حالة تململ داخل بعض الأوساط الجمهورية بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتراجع شعبية الحرب لدى الرأى العام.
ووفقاً للصحيفة، فإن عددًا من الجمهوريين يخشون أن تتحول إيران إلى عبء انتخابى يهدد أغلبيتهم فى الكونجرس، ولم تصف الصحيفة الأمر بأنه انقلاب على ترامب، لكنها اعتبرته إشارة نادرة إلى تراجع الانضباط الحزبى المطلق الذى ميز سنوات سيطرة ترامب على الحزب الجمهورى.
فى السياق ذاته، تحدثت صحيفة " واشنطن بوست"، عن تصاعد غير مسبوق فى التوتر بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وقيادات الحزب الجمهورى فى الكونجرس، فى مؤشر على تراجع قدرة ترامب على فرض الانضباط الكامل داخل حزبه، مع اقتراب الانتخابات النصفية المقررة فى نوفمبر المقبل.
وحسب الصحيفة، شكّلت الأيام الأخيرة نقطة تحول داخل مجلسى الشيوخ والنواب، بعدما أبدى مشرعون جمهوريون معارضة علنية لعدد من قراراته السياسية والمالية، وسط مخاوف متزايدة من أن تؤدى سياساته وصراعاته الشخصية إلى خسائر انتخابية تهدد الأغلبية الجمهورية فى الكونجرس.
وتعود بداية الأزمة إلى مشروع قانون جمهورى ضخم لتمويل سياسات الهجرة، يتضمن نحو 70 مليار دولار لدعم وكالة الهجرة والجمارك وحرس الحدود. لكن المشروع أثار جدلا واسعا بعدما تضمن مليار دولار لتمويل مشروع توسعة وتجديد الجناح الشرقى للبيت الأبيض، بما يشمل قاعة احتفالات ضخمة يسعى ترامب إلى بنائها.
ورأى عدد من الجمهوريين أن تخصيص هذا المبلغ لمشروع يرتبط بصورة شخصية ب ترامب يمثل عبئا سياسيا فى ظل ارتفاع أسعار الوقود وتراجع الوضع الاقتصادى، قبل أن تتدخل مسئولة القواعد البرلمانية فى مجلس الشيوخ وتعتبر التمويل مخالفا لقواعد الموازنة، وعندما ألمح ترامب إلى ضرورة إقالتها، رفض قادة الحزب الجمهورى الفكرة، فى إشارة إلى اتساع الهوة بين البيت الأبيض و الكونجرس الجمهورى.
لكن القضية الأكثر تفجيرا للخلاف كانت إعلان وزارة العدل الأمريكية عن إنشاء صندوق بقيمة 1.7 مليار دولار لتعويض أشخاص يقول ترامب إنهم كانوا ضحية لـ"تسييس القضاء" أو "استهداف سياسى".
وأوضحت " واشنطن بوست"، أن عددا كبيرا من الجمهوريين اعتبروا الصندوق بمثابة "صندوق سياسى سرى" قد يتيح تعويض مشاركين فى اقتحام مبنى الكابيتول يوم
6 يناير 2021، بمن فيهم مدانون بالاعتداء على الشرطة أو بجرائم عنف.
وخلال اجتماع مغلق عاصف فى مجلس الشيوخ، تعرض القائم بأعمال وزير العدل تود بلانش، لهجوم حاد من أعضاء جمهوريين غاضبين، ونقلت الصحيفة عن السيناتور الجمهورى تيد كروز قوله إن الاجتماع كان "من أعنف الاجتماعات التى شهدها فى مجلس الشيوخ" مضيفا أن بعض الأعضاء "كانوا يصرخون غضبا".
وتفاقمت الأزمة بعد قرار ترامب دعم المدعى العام فى تكساس كين باكستون ضد السيناتور الجمهورى المخضرم جون كورنين فى الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهورى، حيث أثار القرار غضبا واسعا داخل الحزب، إذ يُنظر إلى كورنين باعتباره أحد أبرز أركان المؤسسة الجمهورية فى مجلس الشيوخ، وقد جمع مئات الملايين من الدولارات لدعم مرشحى الحزب خلال العقدين الماضيين.
وحذّر عدد من الجمهوريين من أن دعم باكستون، الذى واجه فضائح واتهامات فساد ومحاكمة سياسية داخل تكساس، قد يعرّض الحزب لخطر خسارة ولاية تُعد معقلا جمهوريا تقليديا، كما قد يستهلك أموالا ضخمة يحتاجها الحزب فى ولايات تنافسية أخرى.
وتفاقمت الأزمة بعد خسارة السيناتور الجمهورى بيل كاسيدى فى الانتخابات التمهيدية بولاية لويزيانا، بعدما دعّم ترامب منافسته جوليا ليتلو، فى خطوة فسّرها كثيرون على أنها "تطهير" للقيادات الجمهورية التى أظهرت استقلالا نسبيا عن الرئيس.
وحسب " واشنطن بوست"، فإن غضب الجمهوريين لم يعد مقتصرا على الملفات الداخلية، بل امتد أيضا إلى الحرب على إيران، إذ انضم كاسيدى وعدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم مشروع قرار يقيّد قدرة ترامب على تنفيذ ضربات عسكرية إضافية ضد إيران دون موافقة الكونجرس.
وفى الشأن الأوكرانى، تحدى مجلس النواب ترامب من خلال إقرار مشروع قانون لتقديم مساعدات لأوكرانيا وفرض عقوبات جديدة على روسيا. ومن المتوقع أن يواجه الرئيس هذا الإجراء باستخدام حق النقض.
وكشف استطلاع للرأى، عن تراجع شعبية ترامب إلى 41%، مقابل 57% من المعارضين، كما انخفضت نسبة الجمهوريين الذين يؤيدونه بقوة من 75% فى يناير إلى 57% فى مايو الماضيين. وأظهر الاستطلاع أيضا تقدّم الديمقراطيين بثمانى نقاط فى نوايا التصويت للكونجرس.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، تيموثى نفتالى، أن ما يجرى يعكس بداية اختبار حقيقى لاستقلال الجمهوريين عن ترامب، خصوصا عندما يضع الرئيس ولاءه الشخصى فوق مصلحة الحزب وفرصه الانتخابية.
ورغم محاولة البيت الأبيض التقليل من أهمية الخلافات، أكدت " واشنطن بوست"، أن الأيام الماضية كشفت هشاشة التماسك الجمهورى، وأن هيمنة ترامب المطلقة على الحزب لم تعد كما كانت، فى وقت يخشى فيه كثير من الجمهوريين أن تتحول معارك الرئيس الشخصية إلى عبء يهدد مستقبلهم السياسى فى انتخابات قد تكون الأصعب منذ عودته إلى البيت الأبيض.
من جهتها، قدمت صحيفة "نيويورك بوست" قراءة مختلفة نسبياً، فهى لم تصور الجمهوريين المعارضين باعتبارهم قادة حركة تمرد واسعة، بل باعتبارهم أقلية صغيرة داخل الحزب قررت استخدام قانون صلاحيات الحرب للضغط على الإدارة. ومع ذلك، اعترفت الصحيفة بأن مجرد نجاح القرار فى مجلس النواب يمثل إحراجاً سياسياً للرئيس، لأن عدداً من الجمهوريين فضّل تحدى البيت الأبيض علناً فى قضية تتعلق بالأمن القومى.
أما موقع "أكسيوس" الأمريكى، فقد سلط الضوء فى تقرير له على التيار الجمهورى الانعزالى الذى يضم شخصيات محافظة ترى أن الأولوية يجب أن تكون للقضايا الداخلية الأمريكية لا للحروب الخارجية.
وركز التقرير على محاولات ترامب احتواء التصعيد مع إيران وتشجيع الحلول الدبلوماسية، فى وقت يتزايد فيه الضغط من بعض الجمهوريين الرافضين لأى تورط عسكرى جديد فى الشرق الأوسط.
ولم يقدم "أكسيوس"، المسألة باعتبارها مجرد خلاف حزبى عادى، بل باعتبارها اختباراً خطيراً لتحالف ترامب داخل الحزب الجمهورى بين جناحين متناقضين: جناح تقليدى يؤيد استخدام القوة العسكرية ضد إيران، وجناح "أمريكا أولاً" الذى يرفض التورط فى حروب جديدة فى الشرق الأوسط.
واعتبر "أكسيوس"، أن أهمية تصويت مجلس النواب الخاص بإيران، ليست فى القيمة القانونية للقرار فقط، بل فى رمزيته السياسية، لأن عدداً من الجمهوريين أصبح مستعداً للوقوف علناً ضد البيت الأبيض فى قضية أمن قومى، وهى خطوة كانت نادرة جداً خلال السنوات الماضية.
لكن الموقع الأمريكى، لا يرى أن هناك تمرداً واسعاً يهدد سيطرة ترامب على الحزب الجمهورى بقدر ما يرى بداية انشقاق فكرى مهم داخل الحزب، فالجمهوريون المعارضون للحرب لم يعودوا مجرد أصوات هامشية، بل أصبحوا قادرين على إحراج الإدارة داخل الكونجرس.
ومن وجهة نظر "أكسيوس"، فإن السؤال لم يعد: "هل يوجد خلاف داخل الحزب الجمهورى؟" بل: "إلى أى مدى يمكن أن يتوسع هذا الخلاف إذا استمرت المواجهة مع إيران وأصبحت أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً؟".