لم يعد التحرش اللفظي مجرد كلمات عابرة تقال فى الشارع أو وسيلة مواصلات أو مكان عمل، بل أصبح سلوكًا يترك آثارًا نفسية عميقة قد تلازم ضحاياه لسنوات طويلة.
وبينما يظن البعض أن الأمر لا يتجاوز حدود المزاح أو التعليقات العابرة، تؤكد الدراسات الاجتماعية والنفسية أن هذا النوع من الانتهاكات يمس شعور الفتيات بالأمان ويؤثر على ثقتهن بأنفسهن وقدرتهن على ممارسة حياتهن اليومية بشكل طبيعي.
فى الوقت الذي تتزايد فيه المطالبات المجتمعية بمواجهة الظاهرة، يقف القانون المصري بدوره كإحدى أدوات الحماية الرادعة للحد من هذه الجريمة التي باتت تهدد سلامة المجتمع واستقراره.
التحرش اللفظي.. عنف يبدأ بالكلمة.
توضح الدكتورة هند فؤاد، أستاذ علم الاجتماع، أن التحرش اللفظي يعد أحد أشكال العنف الجنسي التي لا تستلزم بالضرورة أي احتكاك جسدي، إذ يقوم على استخدام كلمات أو عبارات أو إيحاءات ذات طابع جنسي تنتهك خصوصية الشخص وتجعله يشعر بالإهانة أو عدم الاحترام أو الانتهاك.
وتشير إلى أن خطورة التحرش اللفظي تكمن فى كونه سلوكًا يعتدي على المساحة الشخصية للفرد ويختزل الإنسان فى مظهره أو جسده، مما يخلق شعورًا دائمًا بعدم الارتياح وفقدان الأمان فى الأماكن العامة.
وتضيف أن المجتمع الطلابي يعد من البيئات التي قد تشهد صورًا متعددة من التحرش، سواء كان لفظيًا أو جسديًا أو جنسيًا، الأمر الذي يستوجب تكثيف جهود التوعية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب، خاصة أن كثيرًا من مرتكبي هذه السلوكيات يكونون فى أعمار صغيرة نسبيًا ويحتاجون إلى تصحيح المفاهيم والسلوكيات قبل أن تتحول إلى ممارسات أكثر خطورة.
حين تصبح الكلمات مصدرًا للخوف
من جانبها، تؤكد الدكتورة سالي محمد الشيخ، أستاذ الطب النفسي بالقصر العيني، أن كثيرين يستهينون ب التحرش اللفظي لأن آثاره لا تكون ظاهرة مثل الاعتداء الجسدي، إلا أن الواقع النفسي للضحايا يكشف حجم الضرر الذي قد تسببه كلمة أو تعليق يحمل إيحاءات أو دلالات مسيئة.
وتوضح أن التعرض المستمر للتحرش اللفظي قد يؤدي إلى شعور الفتاة بانتهاك حدودها الشخصية، كما ينعكس على إحساسها بالأمان أثناء السير فى الشارع أو استخدام وسائل المواصلات أو التواجد فى الأماكن العامة، ما يدفع بعض الضحايا إلى تجنب أماكن معينة أو تغيير سلوكهن اليومي خوفًا من تكرار التجربة.
وتضيف أن التأثير النفسي لا يقتصر على لحظة الواقعة، بل قد يمتد لفترات طويلة من خلال مشاعر القلق والتوتر وفقدان الثقة بالنفس، فضلًا عن الإحساس بالغضب والعجز، خاصة عندما تجد الضحية نفسها غير قادرة على الرد أو الدفاع عن حقها.
وتشدد على أن التحرش اللفظي يعد أحد أشكال العنف الجنسي التي لا يجوز التقليل من خطورتها، مؤكدة أن أي شخص لا يملك الحق فى التعليق على جسد الآخرين أو ملابسهم أو مظهرهم بطريقة تحمل إساءة أو إيحاءات غير لائقة.
ظاهرة لا ترتبط بمكان واحد
وتلفت أستاذ الطب النفسي إلى أن التحرش اللفظي لا يرتبط بمكان محدد، فقد يحدث فى الشوارع والأسواق ووسائل النقل وأماكن العمل والمؤسسات التعليمية، بل وقد يقع فى أماكن مزدحمة أو معزولة على حد سواء.
وتوضح أن مرتكبي التحرش قد يكونون غرباء تمامًا عن الضحية، وقد يكونون زملاء دراسة أو عمل، وفى بعض الحالات يكون المتحرش شخصًا يمتلك سلطة أو منصبًا أعلى، وهو ما يضاعف من شعور الضحية بالخوف أو الحرج ويجعلها أقل قدرة على المواجهة.
وترى أن التصدي لهذه الظاهرة يبدأ من تغيير الثقافة المجتمعية التي تتسامح أحيانًا مع بعض أشكال التحرش اللفظي باعتبارها أمرًا عاديًا أو جزءًا من الحياة اليومية، مؤكدة أن أي سلوك ينتهك كرامة الإنسان يجب أن يُرفض بشكل قاطع.
المجتمع شريك أساسي فى المواجهة
ويرى متخصصون أن أخطر ما فى التحرش اللفظي هو اعتياد المجتمع عليه، فكلما مرت الواقعة دون اعتراض أو مساءلة، شعر المتحرش بأن سلوكه مقبول أو لن يترتب عليه أي عقاب. لذلك يصبح دور المواطنين أساسيًا فى دعم الضحايا وعدم تركهن يواجهن الموقف بمفردهن.
كما أن نشر الوعي داخل الأسرة يساعد على بناء أجيال أكثر احترامًا للآخرين، فالأب والأم يمثلان خط الدفاع الأول ضد السلوكيات العدوانية التي قد تتطور لاحقًا إلى أشكال أكثر خطورة من العنف أو التحرش.
ويؤكد خبراء الاجتماع والنفس أن تشجيع الفتيات على الإبلاغ وعدم الصمت يمثل خطوة مهمة فى الحد من انتشار الظاهرة، لأن الصمت غالبًا ما يمنح المتحرش شعورًا بالإفلات من العقاب ويشجعه على تكرار سلوكه مع ضحايا أخريات.
القانون يلاحق المتحرشين
ومن الناحية القانونية، تؤكد المحامية رشا صبري أن التحرش اللفظي لم يعد مجرد مخالفة بسيطة أو تصرفًا يمكن التغاضي عنه، بل أصبح جريمة يعاقب عليها القانون المصري بعقوبات مشددة تهدف إلى حماية الضحايا وردع الجناة.
وتوضح أن التعديلات التشريعية الأخيرة شددت العقوبات على جرائم التحرش بأشكاله المختلفة، سواء كان لفظيًا أو فعليًا أو إلكترونيًا، حيث تصل العقوبات إلى الحبس والغرامات المالية الكبيرة، مع تشديد العقوبة فى حالات العود أو تكرار الجريمة أو ملاحقة المجني عليه.
وتقدم المحامية شيماء إبراهيم بالنقض مجموعة من الخطوات العملية التي تساعد الفتاة على الحفاظ على حقها القانوني، موضحة أن أول ما يجب فعله هو محاولة طلب المساعدة من المحيطين إذا كان ذلك آمنًا، مع الانتباه إلى تفاصيل المكان والزمان وأوصاف المتحرش.
وفى حالات التحرش الإلكتروني، تنصح بضرورة الاحتفاظ بصور للشاشة أو الرسائل أو أي محتوى يثبت الواقعة وعدم حذفها تحت أي ظرف.
وتضيف أن الخطوة الأهم تتمثل فى التوجه إلى قسم الشرطة المختص لتحرير محضر رسمي يتضمن تفاصيل الواقعة وأوصاف المتهم وأسماء الشهود إن وجدوا، مؤكدة أن القانون يكفل سرية الإجراءات ويحمي حقوق المجني عليها.