في ذكرى ميلاد المخرج والفنان الكبير سعد أردش، تتجدد الحكايات التي تكشف تأثيره العميق في أجيال من الفنانين، ليس فقط كمخرج وأستاذ أكاديمي، بل كمعلم آمن بالمواهب الشابة ومنحها الثقة والدعم في اللحظات الفارقة من حياتها.
ومن بين أبرز هذه الشهادات، ما رواه الفنان محمد صبحي خلال حوار سابق لمجلة أكتوبر، حيث استعاد تفاصيل العلاقة التي جمعته بأستاذه سعد أردش أثناء دراسته في المعهد العالي للفنون المسرحية، وهي العلاقة التي بدأت بالخلاف وانتهت بواحدة من أهم الدروس الفنية والإنسانية في حياته.
يقول محمد صبحي إنه عندما كان طالبًا في المعهد، كان يسمع كثيرًا عن صرامة سعد أردش، حتى إن الطلاب كانوا يرددون عبارة شهيرة عنه: " سعد أردش ثعبان يلدغ"، وهو ما جعله يشعر بالرهبة قبل التعامل معه.
ويضيف صبحي: "كنت حريص طول فترة دراستي إني أمثل تراجيدي، رغم إن أساتذتي كانوا شايفيني كوميديان، وكنت مقتنع إن التراجيديا أصعب، وكنت مركز فيها جدًا، لكني خفت إن أستاذ سعد يحرمني من أعمال السنة لأني مش قادر أقدم المشهد الكوميدي بالطريقة اللي هو عاوزها".
ويتابع: "دخلت له واتكلمت بصراحة واعتذرت له وخرجت، وبعد حوالي ساعة ونصف فوجئت بزملائي بيقولوا لي إن أستاذ سعد خصص محاضرة كاملة للكلام عني، وقال أمام الطلبة إني ممكن أبقى أعظم مخرج في مصر".
ورغم تلك الكلمات، ظل صبحي متوجسًا من أستاذه، حتى فوجئ به ينزل إلى كافتيريا المعهد ويجلس أمامه مباشرة.
ويستكمل: "طلب سندويتش جبنة رومي وكوباية شاي وعلبة سجائر، فقلت في نفسي أكيد نازل يستفزني، فضلت ساكت ومتكلمتش، رغم إني كنت عايز أعتذر له، لكني اتفاجئت إنه بيمد لي الشاي والسندويتش وربع جنيه".
ويضيف أن سعد أردش قال له وقتها: "يا ابني انفعالك لأسباب مادية عندك"، وهو ما أغضبه في البداية، فرد عليه قائلاً: "حضرتك بترد الإهانة بإهانة أكبر منها"، لكن الأستاذ طلب منه أن يشرب الشاي أولًا ثم يتحدثا بهدوء.
ويؤكد صبحي أن تلك اللحظة غيّرت نظرته تمامًا لأستاذه، قائلاً: "في اللحظة دي حسيت إني قدام مُعلم حقيقي، لأنه احتواني بدل ما يعاقبني".
ولم تنتهِ الحكاية عند هذا الحد، إذ طلب سعد أردش من تلميذه أن يقابله مساءً أمام مسرح الزمالك، وهناك أهداه كتابين من أهم الكتب المسرحية: "حياتي في الفن" و"إعداد الممثل".
ويقول صبحي إن أستاذه نصحه بألا يقرأ كتب التمثيل باعتبارها مجرد معلومات أو نظريات، وإنما يحول ما فيها إلى تجارب عملية، يختبرها بنفسه ويقبلها أو يرفضها أو يطورها.
ويختتم الفنان الكبير شهادته مؤكدًا أن هذه النصيحة كانت بمثابة كنز حقيقي في حياته الفنية، وأنها ساعدته على فهم أن التمثيل علم قائم على التجربة والبحث المستمر، وهو الدرس الذي ظل يحمله معه طوال مشواره الفني.
هكذا بقي سعد أردش في ذاكرة تلاميذه ليس فقط مخرجًا ومسرحيًا كبيرًا، بل أستاذًا عرف كيف يكتشف الموهبة ويصنع الثقة ويترك أثرًا لا يزول بمرور السنوات.