بين أوباما وترامب.. كيف تبدلت هندسة القرار الأمريكي تجاه إيران؟

بين أوباما وترامب.. كيف تبدلت هندسة القرار الأمريكي تجاه إيران؟بين أوباما وترامب.. كيف تبدلت هندسة القرار الأمريكي تجاه إيران؟

عرب وعالم18-6-2026 | 00:27

في خضم الجدل الدائر حول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحرب مع إيران، برزت تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية والأمنية الأمريكية بشأن الدور المتراجع لمجلس الأمن القومي، المؤسسة التي أنشئت خصيصًا لضمان حصول الرئيس على تقييمات شاملة من مختلف أجهزة الدولة قبل اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والأمن القومي.

وبحسب مسؤولين سابقين وخبراء تحدثوا لشبكة "سي إن إن" الأمريكية، فإن مجلس الأمن القومي شهد خلال الولاية الثانية لترامب تقليصًا واسعًا في عدد موظفيه وصلاحياته، ما أدى إلى تغيير آلية صناعة القرار في البيت الأبيض، خاصة خلال التعامل مع الحرب الإيرانية والملفات الدولية المعقدة الأخرى.

دروس الحرب
وتعود جذور مجلس الأمن القومي إلى عام 1947 عندما قرر الكونجرس الأمريكي إنشاء هيئة تنسيقية دائمة تساعد الرئيس على إدارة القضايا الأمنية والعسكرية والاستراتيجية.

وجاء تأسيس المجلس بعد الدروس التي استخلصتها واشنطن من الحرب العالمية الثانية، حيث ساد آنذاك شعور داخل المؤسسة الأمريكية بأن إدارة الصراعات العالمية تتطلب جهازا قادرا على جمع المعلومات من وزارات الدفاع والخارجية والخزانة وأجهزة الاستخبارات وتحويلها إلى خيارات واضحة أمام الرئيس.

ومنذ ذلك الحين تحول المجلس إلى أحد أهم مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، وخدم الإدارات المتعاقبة على اختلاف توجهاتها السياسية.


لكن هذا الدور التقليدي تعرض لتغييرات كبيرة خلال إدارة ترامب الحالية، إذ تشير تقديرات إلى أن عدد موظفي المجلس انخفض من نحو 200 موظف إلى أقل من النصف.

ووفق شبكة "سي إن إن"، يربط منتقدو هذه الخطوة بين التقليصات الواسعة ورغبة ترامب في الاعتماد على دائرة ضيقة من المستشارين المقربين بدلاً من المؤسسات البيروقراطية التقليدية.

وبدلا من الاستفادة من شبكة واسعة من الخبراء والمسؤولين الحكوميين، بات الرئيس يعتمد بصورة أكبر على شخصيات محددة مثل وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف عند مناقشة القضايا الاستراتيجية الكبرى.

ويرى مسؤولون سابقون أن تقليص دور مجلس الأمن القومي أثّر على مستوى التنسيق الحكومي قبل وأثناء الحرب مع إيران.

فبحسب هذه التقديرات، لم تحصل بعض السيناريوهات المحتملة على القدر الكافي من النقاش المؤسسي، بما في ذلك احتمالات الرد الإيراني على الضربات الأمريكية وإمكانية إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.

ويشير منتقدو الإدارة إلى أن طهران فاجأت واشنطن بشدة ردودها العسكرية واستعدادها لاستخدام أوراق ضغط إقليمية، وهو ما فتح نقاشًا حول ما إذا كانت آليات التخطيط التقليدية داخل مجلس الأمن القومي كان يمكن أن توفر تقديرات أكثر دقة للمخاطر المحتملة.

في المقابل، يدافع مسؤولون في الإدارة الحالية عن النهج الذي يتبعه ترامب، معتبرين أن تقليص حجم البيروقراطية جعل عملية اتخاذ القرار أكثر سرعة ومرونة، بحسب "سي إن إن".

ويؤكد البيت الأبيض أن جميع المؤسسات المعنية، بما فيها وزارات الدفاع والخارجية والطاقة والخزانة وأجهزة الاستخبارات، شاركت في مناقشات الحرب والملفات الأمنية الكبرى، وأن الرئيس استمع إلى وجهات نظر متعددة قبل اتخاذ قراراته.

كما يرى مؤيدو الإدارة أن النموذج التقليدي ل مجلس الأمن القومي كان يؤدي أحياناً إلى بطء الإجراءات وتضخم البيروقراطية، بينما يسمح النموذج الحالي باتخاذ قرارات أسرع وأكثر انسجاماً مع رؤية الرئيس السياسية.

وتبرز الفجوة بين النموذجين بشكل خاص عند مقارنة تعامل الإدارات المختلفة مع الملف الإيراني.

فخلال المفاوضات التي قادت إلى الاتفاق النووي عام 2015، لعب مجلس الأمن القومي دوراً محورياً في تنسيق المواقف بين مختلف المؤسسات الأمريكية وصياغة السياسات المتعلقة بالرقابة على البرنامج النووي الإيراني.

وشهدت تلك المرحلة اجتماعات مكثفة ضمت ممثلين عن وزارات الخارجية والدفاع والخزانة وأجهزة الاستخبارات بهدف دراسة مختلف السيناريوهات والتداعيات المحتملة لأي اتفاق مع طهران.

أما اليوم، فيرى بعض المسؤولين السابقين أن عملية صنع القرار أصبحت أكثر مركزية وأقل اعتماداً على المشاورات المؤسسية الواسعة.

ويصف مسؤولون سابقون في إدارة ترامب الحالية أسلوب العمل بأنه يقوم على "القيادة من الأعلى إلى الأسفل"، حيث يحدد الرئيس وكبار مساعديه الاتجاهات الرئيسية للسياسة الخارجية، بينما يقتصر دور المؤسسات الحكومية على تنفيذ القرارات أكثر من المشاركة في صياغتها.

ويعتبر أنصار هذا النهج أنه ساعد الإدارة على التحرك بسرعة في ملفات متعددة، فيما يحذر منتقدوه من أن تقليص قنوات النقاش قد يؤدي إلى إغفال بعض التحذيرات أو التقديرات المهمة قبل اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى.

أضف تعليق