أصبح الحليب من أكثر الأغذية التي تدور حولها التساؤلات والجدل، فبين من يؤكد فوائده كغذاء أساسي، ومن يصفه بأنه ضار بسبب الهرمونات أو المضادات الحيوية أو لأنه مخصص لصغار الأبقار فقط، يبقى السؤال: أين تقف الحقيقة العلمية؟
يقول الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية:
الحليب.. مؤامرة أم غذاء طبيعي؟
كل فترة تظهر نفس التساؤلات من جديد:
هل اللبن مليء بالهرمونات والمضادات الحيوية؟
هل صحيح أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يشرب حليب فصيلة أخرى؟
وهل لأن حليب الأبقار مخصص لصغارها فهذا يعني أنه غير مناسب للبشر؟
هذه الأفكار تجعل البعض ينظر إلى كوب الحليب وكأنه غذاء غريب لم نعرفه من قبل، رغم أنه جزء من النظام الغذائي للعديد من الشعوب منذ قرون.
لكن دعونا نفكر بشكل علمي وهادئ.
فكرة أن الحليب مخصص لصغير البقرة فقط لا تعني بالضرورة أنه غير مناسب للإنسان، فلو طبقنا هذا المنطق على كل الأغذية سنجد أمثلة كثيرة لا تنتهي.
فالعسل تنتجه النحل لصالح مستعمرتها، والبيض وظيفته الطبيعية أن يتحول إلى كائن جديد، ومع ذلك يستخدمهما الإنسان كغذاء منذ آلاف السنين.
إذن القضية ليست: "لمن صُنع الطعام في الطبيعة؟"
بل: "هل يستطيع جسم الإنسان الاستفادة منه؟ وهل توجد أدلة علمية على ضرره أو فائدته؟"
كما أن استخدام هذا المنطق قد يقود إلى نتائج غير صحيحة؛ فكون الإنسان يختلف عن الحيوانات في عاداته لا يعني أن كل ما يفعله الإنسان ضار، فالحيوانات لا تطبخ الطعام ولا ترتدي الملابس، ومع ذلك لا نعتبر الطهي أو الملابس أمورًا غير طبيعية.
هذا يسمى في التفكير العلمي القياس الانتقائي، أي اختيار جزء من الصورة وتجاهل باقي التفاصيل.
ولو اتبعنا نفس الأسلوب في الحكم على الغذاء، سنجد من يقول إن القمح والخضروات والبيض والماء كلها ضارة، لأن أي طعام يمكن أن تظهر حوله أسئلة أو مخاوف إذا تم عرضه خارج سياقه العلمي.
هل يحتوي الحليب على مضادات حيوية؟
من أكثر الشائعات انتشارًا أن الحليب يحتوي على كميات كبيرة من المضادات الحيوية.
لكن صناعة الألبان تعتمد بشكل كبير على عمليات التخمير لإنتاج الزبادي والجبن، وهذه العمليات تعتمد على بكتيريا نافعة.
وفي حال وجود بقايا مضادات حيوية في اللبن بمستويات أعلى من الحدود المسموح بها، فإن هذه البكتيريا لا تستطيع القيام بدورها، مما يؤثر على جودة المنتج.
لذلك تقوم مصانع الألبان بإجراء اختبارات مستمرة على الخام، ويتم رفض أي شحنات غير مطابقة للمواصفات.
وماذا عن هرمونات الحليب؟
يعتقد البعض أن الهرمونات تُضاف إلى اللبن بكميات كبيرة، لكن هذه الفكرة تحتاج إلى دليل وتحليل وليس مجرد تداول عبر الإنترنت.
ف الحليب منتج متداول يخضع للرقابة، ويمكن فحص عينات منه في المعامل المتخصصة للتأكد من مطابقته للمواصفات.
المشكلة أن كثيرًا من المعلومات المنتشرة تعتمد على إعادة النشر، وليس على نتائج تحاليل أو دراسات موثوقة.
هل بروتين الكازين يجعل الحليب ضارًا؟
تدور بعض النقاشات حول نوع من بروتينات الحليب يسمى الكازين A1، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن هضمه قد يؤدي عند بعض الأشخاص إلى تكوّن مركب يسمى BCM-7، وقد يرتبط لدى البعض بأعراض مثل الانتفاخ أو اضطرابات الهضم.
لكن الأبحاث العلمية حتى الآن لا تقدم دليلًا قويًا على أن الحليب البقري العادي ضار لمعظم الناس بسبب هذا السبب.
فمثل أي غذاء آخر، تختلف استجابة الجسم له من شخص لآخر.
هناك أشخاص يستفيدون من الحليب بشكل كبير، بينما يحتاج آخرون إلى تقليله أو تجنبه بسبب:
عدم تحمل اللاكتوز.
الحساسية من بروتينات الحليب.
بعض الحالات الصحية الخاصة.