بعد أسابيع من الحرب والتصعيد، ومواجهة كادت تعصف بمنطقة الشرق الأوسط. جاء إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ، عن توصله إلى اتفاق مبدئى مع إيران ، والذى وصفه بـ"الاتفاق العظيم"، ومع ذلك، لم يُقابل إعلان ترامب عن الاتفاق مع إيران بالحفاوة التى توقعها سواء فى الداخل أو الخارج.
وعلى مدار الأيام الماضية، نُشرت عشرات التحليلات حول أبعاد هذا الاتفاق، وما إذا كان يشكل نجاحًا حقيقيًا للرئيس الامريكى، وأجمعت صحف عالمية عديدة على أن ترامب لم ينتصر فى هذه المعركة، مشيرة إلى أن هذا الاتفاق لا يعالج أسباب الصراع الأساسية، وأن احتمالات العودة إلى المواجهة مازالت قائمة.
وعقب الإعلان عن الاتفاق الذى يفتح الباب أمام مفاوضات أوسع، ولا تزال تفاصيله الأساسية غير محسومة، وإن كان ترامب أكد مرارًا على أنه سيجلب السلام والأمن إلى المنطقة، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز"، افتتاحية ذكرت فيها بشكل واضح أن ترامب خسر الحرب مع إيران، وأكدت الصحيفة الأمريكية على عدد من الحقائق، أولها أن ترامب شن هذه الحرب بتهور وتحد سافر للقانون، لتخرج منها الولايات المتحدة ضعيفة عسكريًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا، وستدفع ثمنها استراتيجيًا فى السنوات القادمة.
وقالت الصحيفة، إن الإطار المعلن عنه فى تفاصيل الاتفاق يكشف عن بعض الشروط التى حققها ترامب وأصر عليها، ولكنه يمثل فى النهاية هزيمة له وللأمة التى يقودها. وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب أكد فى بداية الحرب أن الولايات المتحدة ستحقق نصرًا كاملًا وشاملًا، وأن على إيران الموافقة على استسلام غير مشروط، ملمحًا إلى إمكانية تغيير النظام، وقال أيضًا إنه لن يسمح ل إيران بتخصيب اليورانيوم، وأن الولايات المتحدة، بالتعاون مع إيران، ستعمل على استخراج وإزالة جميع المواد النووية شبه المخصبة المدفونة فى أعماق الأرض، والتى تمتلكها إيران بالفعل.
ولا يبدو أن أيًا من هذه التصريحات كان صحيحًا- حسبما تقول الصحيفة- فالحكومة الإيرانية المتشددة لا تزال فى السلطة، ومن الواضح أن تفاصيل الاتفاق النووى ستناقش خلال الشهرين المقبلين، لكن من المرجح أن تكون بنوده مشابهة لبنود اتفاق عام 2015 الذى تفاوض عليه أوباما، وألغاه ترامب عام 2018.
وكان ترامب قد وصف اتفاق أوباما بأنه أسوأ اتفاق فى التاريخ، وقال إنه وضع إيران على طريق امتلاك سلاح نووى، وانتقد الرئيس السابق لعدم إجباره إيران على وقف دعم حماس وحزب الله، وتخفيفه العقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، يبدو أن حربه المدمرة ستؤدى، على الأرجح، إلى اتفاق مماثل.
ورأت "نيويورك تايمز"، أن إنجاز ترامب الأكبر فى إطار وقف إطلاق النار يكمن فى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية، ما سيؤدى فى نهاية المطاف إلى خفض أسعار الطاقة والسلع الأخرى. ومع ذلك، فهذا ليس إنجازًا بحد ذاته، بل عودة إلى الوضع السابق للحرب.
وقالت الصحيفة، إن إيران، بالمحصلة، خرجت منتصرة استراتيجيًا من حرب الأشهر الأربعة. صحيح أنها تكبدت خسائر فادحة، شملت جزءًا كبيرًا من قواتها البحرية والجوية وقدراتها الصناعية العسكرية وقيادتها السياسية، بما فى ذلك المرشد الأعلى آية الله على خامنئى، الذى اغتيل فى اليوم الأول للحرب. ومع انتهاء الحرب، بات بإمكان القيادة الإيرانية البدء فى إعادة بناء نفسها.
أما الولايات المتحدة، فتبدو الآن أضعف فى نظر العالم. فقد أظهر الجيش الأمريكى عجزه عن سحق خصم أصغر بكثير، حتى مع استنزافه عددًا كبيرا من صواريخه الدقيقة بعيدة المدى وطائراته الاعتراضية، مشيرة إلى أن هذه النتيجة تضعف قدرة أمريكا على ردع خصوم محتملين آخرين.
صمود إيران
لم تكن صحيفة "نيويورك تايمز" الوحيدة التى رأت أن الولايات المتحدة لم تنتصر فى معركتها مع إيران، إذ اتفقت صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية مع هذا الطرح، فرأت أن الصراع انتهى عمليًا إلى القبول بهدنة مع إيران، بعدما كان قد أعلن، عقب اندلاع الحرب ضدها فى نهاية فبراير الماضى، أنه لن يقبل سوى باستسلام إيرانى غير مشروط.
وقالت الصحيفة، إن أكثر من مئة يوم من المواجهات والمفاوضات انتهت باتفاق أرجأ القضايا الجوهرية التى كانت فى الأساس سببًا لاندلاع الحرب، فيما أشاد ترامب باتفاق يعكس قدرة طهران على الصمود أمام الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ويبرز فى الوقت نفسه نفوذها المتزايد الناتج عن قدرتها على تعطيل حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز .
ورغم الترحيب الذى أبدته بعض الأطراف بالاتفاق باعتباره خطوة تضع حدًا للحرب، فإن الصحيفة رأت أنه فى الوقت نفسه يؤجل قضايا أساسية، ويكشف حجم المعضلة التى تواجه الرئيس الأمريكى بعد أكثر من مئة يوم من الصراع.
ونقلت الصحيفة، عن "دان شابيرو" السفير الأمريكى السابق لدى إسرائيل وصفه للاتفاق بأنه أضعف بكثير مقارنة بالأهداف التى أعلنتها واشنطن فى بداية الحرب، موضحًا أن جوهره يتمثل حالياً فى إعادة فتح مضيق هرمز، الذى تحول إلى القضية الأكثر أهمية فى المشهد بأكمله، مضيفًا أن ذلك يكشف حجم النفوذ الذى امتلكته إيران لإقناع ترامب بأن إنهاء الحرب، حتى بشروط محدودة، أفضل من استمرارها.
وبموجب الهدنة الجديدة، ستقوم الولايات المتحدة و إيران بتمديد وقف إطلاق النار الهش، الذى تم الاتفاق عليه فى الثامن من أبريل، لمدة ستين يومًا إضافية، وفى المقابل، ستعيد إيران فتح مضيق هرمز تدريجيًا بعد إزالة الألغام، مع الامتناع عن فرض رسوم على حركة الشحن البحرى طوال فترة التمديد.
ورأت الصحيفة، أن هذه الخطوة تعالج واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا بالنسبة لترامب، وهى أزمة الطاقة العالمية التى تفاقمت نتيجة الحرب، بعدما تجاوزت أسعار البنزين فى الولايات المتحدة أربعة دولارات للجالون قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفى التى يستعد الحزب الجمهورى لخوضها.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسى مطلع على المحادثات، قوله إن تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يومًا يوفر مكاسب للطرفين، إذ يمدد التهدئة ويعيد فتح المضيق ويضع أساسًا لمفاوضات نووية جديدة، بالتوازى مع تخفيف الضغوط عن إيران. وأكد أن ما جرى لا يمكن اعتباره استسلامًا كاملاً من جانب إيران، وأن الولايات المتحدة تدرك هذه الحقيقة جيدًا، مشيراً إلى أن فريق ترامب يرى إمكانية العمل مع الحكومة الإيرانية الحالية، وأن السعى وراء استسلام كامل قد يؤدى إلى تقوية التيار المتشدد داخل إيران وخلق وضع أكثر تعقيدًا، لذلك يجرى التعامل مع الاتفاق باعتباره خطوة نحو استقرار طويل الأمد.
وحسب بنود الاتفاق، أعادت إيران التأكيد على التزامها بعدم امتلاك أو تطوير أسلحة نووية، كما توصلت واشنطن وطهران إلى تفاهمات بشأن معالجة ملف مخزون اليورانيوم المخصب وفق آلية متفق عليها بين الطرفين.
وأوضح مصدر مطلع على المفاوضات، أن الحد الأدنى من الالتزامات يتضمن تخفيف مستويات تخصيب اليورانيوم داخل المواقع الإيرانية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولفتت "فايننشيال تايمز" إلى أن إيران تمتلك مخزونًا يتجاوز تسعة آلاف كيلوجرام من اليورانيوم المخصب، معظمها بمستويات منخفضة، بينما يوجد نحو 440 كيلو جرامًا مخصبًا بدرجات تقترب من المستوى اللازم لإنتاج أسلحة نووية، وهو ما يصفه ترامب بـ"الغبار النووى".
أما صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، فقالت إن الاتفاق الذى توصل إليه الرئيس الأمريكى ترامب مع إيران لا يمثل انتصارا إستراتيجيًا كاملا بقدر ما يعكس تراجعًا عن الأهداف الأساسية التى وضعتها واشنطن مع بداية الحرب، إذ قبلت واشنطن إعادة فتح مضيق هرمز مقابل تعهدات إيرانية باستئناف المفاوضات حول برنامجها النووى، وذكرت الصحيفة أن الرئيس ترامب بدأ يتراجع مع تصاعد الضغوط السياسية الداخلية، وتزايد المخاطر المرتبطة باستكمال العمليات العسكرية.
وانتقدت الصحيفة الأمريكية غياب التفاصيل الواضحة فى مذكرة التفاهم، لافتة إلى أن ترامب نفسه وصف بعض بنودها بأنها "مفاهيم عامة"، بينما أُرجئت القضايا النووية الأكثر تعقيدًا إلى جولة جديدة من المفاوضات تمتد 60 يومًا، وتساءلت الصحيفة عن جدوى تأجيل هذه الملفات، مشيرة إلى أن ترامب وصف المسئولين الإيرانيين قبل أيام بأنهم لا يتفاوضون بحسن نية، الأمر الذى يثير شكوكًا بشأن فرص التوصل إلى اتفاق نهائى لاحقًا.
مفارقة مضحكة
ويبدو أن معظم تقديرات الصحف العالمية اتفقت على أن الاتفاق لا يرقى إلى الأهداف التى أعلنتها إدارة ترامب عند بدء الحرب، وفى هذا الإطار، ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن تباهى ترامب بإعادة فتح مضيق هرمز هو مفارقة مضحكة، لأن المضيق لم يغلق أساسًا إلا بسبب المغامرة العسكرية الأمريكية، وبالتالى فإن الإنجاز الوحيد ل ترامب هو حل مشكلة هو من خلقها، وأوضحت الصحيفة أن هذا الاتفاق هو مجرد "مذكرة تفاهم" تمدد وقف إطلاق النار الهش لمدة 60 يومًا لبدء مفاوضات تقنية معقدة، مما يمنح طهران فرصة ذهبية للمماطلة.
ورأت الصحيفة الفرنسية، أن الرئيس الأمريكى ذهب إلى قمة مجموعة السبع (جى 7) فى إيفيان بفرنسا مثقلاً بالفشل، ولو كان استمع لحلفائه الأوروبيين لجنّب نفسه هذا المأزق، على حد قولها.
أما صحيفة "ليبيراسيون"، فقالت إن الخطورة الحقيقية للاتفاق تكمن فى أن إيران أثبتت إستراتيجيًا وعمليًا قدرتها على خنق الاقتصاد العالمى عبر إغلاق مضيق هرمز، وهو سلاح نظرى طالما لوحت به لعقود، وقالت إنه بات اليوم ورقة ضغط نفسية وعسكرية لن تتخلى عنها، بل ستعيد بناء ترسانتها من الصواريخ والمسيرات انطلاقاً من هذه التجربة.
غزة ولبنان
صحيفة "لوتان" السويسرية، كانت أكثر انتقادا فى تعليقها على الاتفاق، إذ اعتبرت أن إيران هى التى انتصرت فى نهاية المطاف، وركزت الصحيفة على التداعيات الداخلية العنيفة للاتفاق على إسرائيل، موضحة أن الفشل فى هذه الحرب سيظل يطارد نتنياهو فى حملته الانتخابية المقبلة، بعد أن وعد الإسرائيليين بالقضاء على التهديد الوجودى الإيرانى. وحذرت الصحيفة من سيناريو بديل وخطير، حيث رجحت أن تحاول حكومة نتنياهو التعويض عن إخفاقها الاستراتيجى أمام إيران عبر تصعيد عسكرى أكثر شراسة وبشكل سرى ضد قطاع غزة ولبنان، للتغطية على هزيمتها الدبلوماسية ولمعالجة العقيدة الأمنية الإسرائيلية التى تهشمت.
من جهتها، ذكرت وكالة "فرانس برس"، أن حرب إيران انتهت دون فائز حقيقى، مضيفة أن الطرفين لم يحققا انتصارًا واضحًا فى الحرب بعد حوالى 4 أشهر ضعفت خلالها إيران، ولكن تمكنت من إحباط أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل.
وذكر التقرير، إن إيران تخرج من آخر صراع لها مع الولايات المتحدة وإسرائيل أضعف عسكريًا واقتصاديًا، بعدما تلقت ضربات قاسية، إذ قُتل المرشد الأعلى على خامنئى فى اليوم الأول من الحرب، ولم يظهر خليفته وابنه مجتبى خامنئى علنًا بعد.
وواصلت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية تصفية شخصيات بارزة، لكن السلطة القائمة بقيت متماسكة وتحتفظ بأوراق قوة كبيرة.
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية، عن "روس هاريسون" الباحث فى معهد الشرق الأوسط قوله "استراتيجيًا، وجيوسياسيًا، الفائز الحقيقى الوحيد فى هذه المرحلة هو إيران"، وأضاف "لكنه انتصار عالى التكلفة، بمعنى أن إيران انتصرت بمنع خصومها من تحقيق أهدافهم من الحرب، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا جدًا".
ورأت برجو أوزجيليك، الباحثة الرئيسية فى شئون الأمن فى الشرق الأوسط فى المعهد الملكى للخدمات المتحدة فى لندن، أن إظهار طهران قدرتها على خنق مضيق هرمز الحيوى للضغط على خصومها سيظل يلقى بظلاله على الأمن الإقليمى، مضيفة أن طهران ستستغل هذا الأمر لانتزاع أكبر قدر من التنازلات مع إطالة أمد المفاوضات.