وضع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري لافتة تحمل اسم الشيخ محمد رفعت على باب منزله الكائن بشارع ملحق مسجد فاضل باشا بمنطقة السيدة زينب، وذلك ضمن مشروع "عاش هنا" الهادف إلى توثيق أماكن إقامة الرموز والشخصيات التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والعلمي في مصر، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخهم من خلال لافتات توضع على المباني التي شهدت حياتهم.
ويُعد الشيخ محمد رفعت واحدًا من أبرز أعلام تلاوة القرآن الكريم في مصر والعالمين العربي والإسلامي، وقد لُقّب بـ"قيثارة السماء" لما امتلكه من صوت عذب وأداء استثنائي.
كما ارتبط اسمه بتاريخ الإذاعة المصرية، التي افتتحت بثها الأول عام 1934 بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوته.
وُلد الشيخ محمد رفعت، ابن محمود رفعت بن محمد رفعت، في درب الأغوات بحي المغربلين بالقاهرة، وفقد بصره في عامه الثاني.
وألحقه والده، الذي كان يعمل ضابط شرطة ومأمورًا لقسم الخليفة، بكُتّاب بشتك في درب الجماميز بالسيدة زينب، حيث بدأ رحلته مع حفظ القرآن الكريم.
أتم حفظ القرآن الكريم وقدرًا كبيرًا من الأحاديث النبوية وهو في السادسة من عمره، ومع ظهور نبوغه في التلاوة رشحه شيخه لإحياء الليالي الدينية في الحي والأحياء المجاورة، قبل أن يواصل دراسة علوم القرآن والتجويد لمدة عامين.
تحمّل مسؤولية أسرته في سن مبكرة بعد وفاة والده وهو في التاسعة من عمره، ما حال دون استكمال مسيرته التعليمية، لكنه واصل طريقه في التلاوة حتى ذاع صيته في القاهرة والأقاليم وهو في الرابعة عشرة.
وكانت معظم تلاواته تنطلق من مسجد فاضل باشا الصغير بدرب الجماميز في السيدة زينب، حيث اعتاد المريدون ومحبو التلاوة التوافد للاستماع إليه.
استقطبت تلاوته اهتمام كبار الشخصيات، إذ زاره الملك فاروق أكثر من مرة للاستماع إليه، كما استقبله منزله عددًا من الملوك والأمراء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وتحول منزله إلى ملتقى لرموز السياسة والفكر والفن، ومن بينهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، وزكريا أحمد، وأم كلثوم، وصالح عبد الحي، وليلى مراد.
امتلك الشيخ محمد رفعت مكتبة موسيقية نادرة ضمت أعمالًا شرقية وغربية، وكان يستمع إلى مؤلفات موزارت وبيتهوفن وشوبان، كما كان يجيد العزف على العود، وتوجد له تسجيلات نادرة يؤدي خلالها قصائد في المدح النبوي والحب الإلهي.
ظل وفيًا ل مسجد فاضل باشا طوال حياته، باعتباره المكان الذي نشأ فيه وتعلم وبدأت منه شهرته، ولم يبتعد عنه إلا خلال فترات محدودة في الصيف حين كان يتوجه إلى الإسكندرية ليقرأ في مسجد أبي العباس المرسي.
وصل تراث الشيخ محمد رفعت إلى الأجيال التالية بفضل الصدفة، إذ كانت تلاواته في الإذاعة تُبث مباشرة على الهواء من دون تسجيل، إلا أن أحد محبيه اعتاد تسجيل قراءاته واحتفظ بها، قبل أن يهدي جزءًا منها إلى أسرته، التي لم تكن تمتلك تسجيلات محفوظة له.
أصيب في سنواته الأخيرة بمرض في الحنجرة منعه من التلاوة، وأنفق جانبًا كبيرًا من ثروته على العلاج، حتى رحل في 9 مايو 1950، ودُفن بجوار مسجد السيدة نفيسة تنفيذًا لوصيته.