بطل الحكاية

خلال شهر مايو 2013 كان المشهد فى مصر ينبئ بحدث غير مسبوق.. الشارع المصري كشف زيف الجماعة الإرهابية.

عناصر التنظيم تواصل تصريحاتها بالتهديد والوعيد لترهيب المواطنين.. حالة من الانقسام صنعها التنظيم الإرهابي فى الشارع المصري وداخل المنازل، عمد أعضاء جماعة الإخوان الإرهابية إلى أخونة مؤسسات الدولة.

واصل أعضاء مكتب الإرشاد بالتعاون مع أجهزة استخبارات عدد من قوى الشر العمل لوضع سيناريو لمواجهة غضب الشارع.

لم تدرك أجهزة استخبارات قوى الشر التي تخطط للتنظيم الإرهابي أن قراءتهم للمشهد المصري غير صحيحة.

واصلت تلك القوى تقديم الدعم اللوجيستي والمالي للتنظيم، كما نقلت العديد من العناصر المسلحة من المرتزقة من دول خارجية لمساندة التنظيم حال وقوع صدام فى الشارع المصري لإشعال الفوضى.

خرجت الجماعات الموالية للتنظيم الإرهابي فى خطابها متحدثة عن الشرعية بأن دونها الموت، وأكد على ذلك رئيس الجمهورية المعزول فى خطاب له فى 26 يونيو والذي استمر 3 ساعات، قبل الثورة بعدة أيام، ثم أعادها فى خطابه فى 2 يوليو الشهير والذي أعاد كلمة الشرعية بها 59 مرة خلال ساعة.

فى الوقت ذاته خرجت عناصر الجماعة بعد أن حشدت أعدادًا من عناصرها يوم الجمعة 28 مايو تحت شعار "الشرعية خط أحمر" كعملية استباقية لإرهاب الشعب.

وبدأت تلك العناصر بالاتجاه إلى ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر وقامت بإنشاء منصة لها، معلنة بدء اعتصام مفتوح حتى 30 يونيو .

ولأن الشعوب هي من تمتلك القرار، فكان قرار الشعب المصري فى لحظة تاريخية فارقة من تاريخه الحديث هو استرداد الدولة المصرية بعد اختطافها لمدة عام كامل.

كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهرا يوم السبت 29 يونيو، كنت فى طريقي إلى نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت بقلب القاهرة، لحضور المؤتمر الذي أعلنت عنه حركة تمرد وعدد من أعضاء الحركة الوطنية والذي شهد الإعلان عن الأرقام النهائية لاستمارات سحب الثقة من الرئيس محمد مرسي والموقعة من 22مليونا و 134 ألفا و465 مواطنا مصريا.

خلال المؤتمر تم دعوة المواطنين للنزول فى الشارع ما لم يتم الاستجابة لمطالبهم.

فى تلك اللحظة الفارقة كان العالم يراقب ما سيفعله المصريون فى اليوم التالي، هل بالفعل سينزلون إلى الشوارع ضد حكم جماعة الإخوان ...

أم أن حرارة الصيف التي بلغت 35 درجة مئوية ومع اقتراب شهر رمضان والتظاهرات التي قام بها مؤيدو الجماعة فى رابعة والنهضة سيحول دون نزولهم إلى الشارع؟!.

كانت وكالات الأنباء العالمية تتابع لحظة بلحظة كما كان الإعلام الوطني يعمل على كشف زيف الجماعة مما جعله هدفا لها.. فوضعت قوائم استهداف عندما حاصر أنصار حازم أبو إسماعيل وعدد من التيارات الأخرى الموالية ل جماعة الإخوان مدينة الإنتاج الإعلامي.

فى اليوم التالي نزلت باتجاه ميدان التحرير باعتباره الأقرب لمقر المجلة، فقد وصلت فى السابعة والنصف صباحا ثم اتجهت للميدان كانت أعداد المواطنين مازالت قليلة عدت إلى المجلة وبعد ساعتين وبالتحديد فى الساعة العاشرة عدت مرة أخرى الى الميدان، المشهد كان مختلفا تماما .. المصريون يتوافدون من كل الاتجاهات إلى الميدان يرفعون علم مصر ويهتفون بإسقاط النظام.

إنها إرادة الشعب الذي لم ترهبه الجماعة ولا تصريحات قياداتها وأفعال أنصارها من قتل واستخدام للعنف كما حدث فى أحداث الاتحادية التي وقعت فى ديسمبر 2012.

مشهد تقدم المصريين باتجاه ميدان التحرير كان غير مسبوق فى تركيبته المجتمعية، الأسر استقدمت معها أبناءها من الشباب والأطفال رغم حرارة الطقس، الجميع يهتف هتافا موحدا " يسقط يسقط حكم المرشد ".. إنه الإدراك الجمعي من قبل المصريين بأن من يحكم الدولة ليس الرئيس .. بل مكتب الإرشاد.

مع اقتراب الوقت من الظهيرة كانت حشود المصريين قد أغلقت الميدان والشوارع المحيطة ولم تستطع القنوات الداعمة للتنظيم الإرهابي الصمود كثيرا أمام المشهد فاستقدمت محللين لديها يشككون فى حجم الأعداد بالميدان.

فى الوقت ذاته كانت الميادين بالمحافظات قد شهدت تظاهرات ضخمة أيضا وبالتزامن مع المظاهرات فى القاهرة ومع اقتراب عصر يوم الأحد كانت أعداد المتظاهرين فى ذلك اليوم قد تجاوزت الخمسة عشر مليونا.

إنها إرادة الشعب الذي كشف زيف جماعة الإخوان الإرهابية خلال عام واحد.

واصل الشعب صموده أمام تهديدات الجماعة الإرهابية وقيام بعض عناصرها بالاحتكاك بالمتظاهرين.

فى وقت سابق كانت القوات المسلحة قد أكدت فى 23 يونيو أن حق التظاهر السلمي وحرية التعبير مكفولان للجميع، وإن القوات المسلحة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، كما حذرت من أى أعمال عنف أو اعتداء على المتظاهرين.

ظل المصريون فى ميدان التحرير بعد أن تضاعفت أعداد المتظاهرين فى كل الميادين تطالب برحيل النظام واسترداد الدولة.

وفى 1 يوليو كان بيان القوات المسلحة اعترافًا رسميًا بحجم الحراك الشعبي الذي شهدته مصر، وجاء فى البيان:

" لقد رأى الجميع حركة الشعب المصري وسمعوا صوته بأقصى درجات الاحترام والاهتمام .. ومن المحتم أن يتلقى الشعب رداً على حركته وعلى ندائه من كل طرف يتحمل قدراً من المسئولية فى هذه الظروف الخطرة المحيطة بالوطن.

إن القوات المسلحة المصرية كطرف رئيسي فى معادلة المستقبل وانطلاقا من مسئوليتها الوطنية والتاريخية فى حماية أمن وسلامة هذا الوطن – تؤكد على الآتـــي:

إن القوات المسلحة لن تكون طرفاً فى دائرة السياسة أو الحكم ولا ترضى أن تخرج عن دورها المرسوم لها فى الفكر الديمقراطي الأصيل النابع من إرادة الشعب.

إن الأمن القومي للدولة معرض لخطر شديد إزاء التطورات التي تشهدها البلاد وهو يلقى علينا بمسئوليات كل حسب موقعه للتعامل بما يليق من أجل درء هذه المخاطر.

لقد استشعرت القوات المسلحة مبكراً خطورة الظرف الراهن وما تحمله طياته من مطالب للشعب المصري العظيم .. ولذلك فقد سبق أن حددت مهلة أسبوعاً لكل القوى السياسية بالبلاد للتوافق والخروج من الأزمة إلا أن هذا الأسبوع مضى دون ظهور أى بادرة أو فعل … وهو ما أدى إلى خروج الشعب بتصميم وإصرار وبكامل حريته على هذا النحو الباهر الذي أثار الإعجاب والتقدير والاهتمام على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي.

إن ضياع مزيد من الوقت لن يحقق إلا مزيدا من الانقسام والتصارع الذي حذرنا ولا زلنا نحذر منه.

إن القوات المسلحة تعيد وتكرر الدعوة لتلبية مطالب الشعب وتمهل الجميــع 48 ساعة كفرصة أخيرة لتحمل أعباء الظرف التاريخي الذي يمر به الوطن والذي لن يتسامح أو يغفر لأي قوى تقصر فى تحمل مسئولياتها.

وتهيب القوات المسلحة بالجميع بأنه إذا لم تتحقق مطالب الشعب خلال المهلة المحددة فسوف يكون لزاماً عليها استنادا لمسئوليتها الوطنية والتاريخية واحتراما لمطالب شعب مصر العظيم أن تعلن عن خارطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها وبمشاركة جميع الأطياف والاتجاهات الوطنية المخلصة بما فيها الشباب الذي كان ولا يزال مفجراً لثورته المجيدة … ودون إقصاء أو استبعاد لأحد".

كان بيان الأول من يوليو رسالة طمأنة من القوات المسلحة للشعب فى مواجهة التهديدات بالعنف من قبل الجماعة الإرهابية وعناصرها.

فقد بلغت أعداد المتظاهرين فى ذلك اليوم أكثر من 30 مليونا، فى ميدان التحرير وكل ميادين المحافظات.

لقد جاء انحياز القوات المسلحة لإرادة الشعب للحفاظ على الدولة الوطنية، فى وقت كانت فيه البلاد تواجه مخاطر حقيقية تهدد وحدتها واستقرارها بعد أن تسببت جماعة الإخوان الإرهابية فى إحداث انقسامات داخل المجتمع.

وأسهم هذا الموقف فى منع انزلاق مصر إلى دوامة من الصدام الداخلي أو الحرب الأهلية التي شهدتها دول أخرى فى المنطقة خلال الفترة نفسها، وهو ما جنّب الدولة والمجتمع أثمانًا باهظة كان من الممكن أن تستمر آثارها لعقود.

لقد تحمل الجيش مسئولية تاريخية فى واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا فى تاريخ مصر الحديث، حيث تولى إدارة مرحلة انتقالية استثنائية وسط ظروف إقليمية مضطربة وتحديات أمنية واقتصادية جسيمة.

ورغم صعوبة المشهد، نجحت القوات المسلحة فى الحفاظ على مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار تدريجيًا.

لقد كان دور القوات المسلحة فى تلك المرحلة دور الحارس للإرادة الوطنية، والضامن لوحدة الدولة، والدرع الذي وفر الغطاء الوطني لعبور مصر من مرحلة الخطر إلى مرحلة استعادة البناء والاستقرار.

كما خاضت أجهزة الشرطة معركة شاقة على أكثر من جبهة؛ فمن ناحية كانت مطالبة بإعادة الانضباط إلى الشارع وتأمين حياة المواطنين اليومية، ومن ناحية أخرى تصدت للتنظيمات الإرهابية التي سعت إلى نشر الفوضى وتقويض مؤسسات الدولة.

وفى سبيل ذلك، قدم ضباط وأفراد الشرطة تضحيات جسيمة، وسقط المئات منهم شهداء ومصابين خلال عمليات المواجهة والتطهير وحماية المنشآت الحيوية.

ولم يقتصر دور الشرطة على مواجهة التهديدات الأمنية، بل امتد إلى تأمين مؤسسات الدولة والمنشآت العامة والانتخابات والمشروعات القومية، بما أسهم فى توفير بيئة مستقرة سمحت للدولة بمواصلة مسيرة البناء والتنمية.

وقد دفع رجال الشرطة ثمنًا باهظًا فى معركة استعادة الأمن والاستقرار، لكن هذه التضحيات كانت أحد الأعمدة الرئيسية التي استندت إليها الدولة المصرية فى تجاوز مرحلة بالغة الدقة والخطورة، واستعادة قدرتها على فرض القانون وحماية مقدرات الوطن.

لم يكن إسقاط حكم جماعة الإخوان الإرهابية فى 30 يونيو نهاية الأزمة التي واجهتها الدولة المصرية، بل كان بداية مرحلة أكثر صعوبة وتعقيدًا.

فمع إسقاط حكم الإخوان وعزل مرسي من الحكم انتقلت المواجهة إلى مستوى آخر اتخذ طابعًا أكثر عنفًا وخطورة، حيث تحولت المعركة من ساحات التظاهر والاحتجاج إلى مواجهة مفتوحة مع الإرهاب والتنظيمات التكفيرية.

خلال تلك الفترة شهدت مصر تصاعدا ملحوظًا فى العمليات الإرهابية ، خاصة فى شمال سيناء ، حيث استهدفت الجماعات التكفيرية القوات المسلحة والشرطة فى محاولة لاستنزاف مؤسسات الدولة وإضعاف قدرتها على فرض الأمن والاستقرار. ولم تقتصر الاستهدافات على الأجهزة الأمنية فحسب، بل امتدت إلى القضاء ودور العبادة والمرافق العامة، فى محاولة لإشاعة الفوضى وضرب النسيج الوطني وإثارة الانقسام داخل المجتمع.

وفى الوقت ذاته، تعرضت الدولة لمحاولات متزامنة لإسقاطها عبر ضغوط اقتصادية وحملات سياسية وإعلامية مكثفة استهدفت التشكيك فى مؤسساتها وتقويض ثقة المواطنين فى قدرتها على إدارة المرحلة.

وكان الرهان لدى خصوم الدولة أن تؤدي هذه الضغوط المتراكمة إلى إنهاك الداخل المصري ودفعه نحو حالة من الاضطراب المستمر.

غير أن السنوات التالية أثبتت أن الدولة المصرية كانت تخوض معركة وجود لا معركة سلطة، وأن نجاحها فى مواجهة الإرهاب والحفاظ على تماسك مؤسساتها شكل أحد أهم عوامل العبور نحو الاستقرار.

من ثم، فإن إسقاط حكم الجماعة لم يكن سوى بداية المعركة الحقيقية، أما الانتصار الأهم فكان فى قدرة الدولة على الصمود ومواجهة التحديات التي أعقبت ذلك الحدث التاريخي.

لقد دفع الشعب ثمنا باهظا فى مواجهة التنظيم الإرهابي وقوى الشر للحفاظ على الدولة الوطنية، وكان فى المقدمة أبطال القوات المسلحة والشرطة بما قدموه من تضحيات وما بذلوه من دماء لحماية هذا الوطن ومقدراته والحفاظ على إرادة شعبه.

بعد ثلاثة عشر عامًا من ثورة الثلاثين من يونيو، تبدو الصورة أكثر وضوحا مما كانت عليه فى خضم الأحداث.

واليوم، وبعد أن تجاوزت مصر واحدة من أخطر المراحل فى تاريخها الحديث، يمكن القول إن ما جرى لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل معركة وطنية شاملة خاضها المصريون دفاعًا عن دولتهم وهويتهم ومستقبل أبنائهم.

لقد أثبتت الأيام أن بطل الحكاية لم يكن فردا واحدا، ولا مؤسسة واحدة، بل كان الشعب المصري الذي امتلك الوعي والشجاعة لاتخاذ القرار فى لحظة مصيرية، و القوات المسلحة التي انحازت لإرادة الجماهير وحمت الدولة من السقوط فى الفوضى والحرب الأهلية، والشرطة التي دفعت أثمانا باهظة وقدمت الشهداء فى معركة استعادة الأمن والاستقرار.

كانت بطولة جماعية صنعها أبناء الوطن كلٌ من موقعه، وسُطرت فصولها بدماء الشهداء وصبر المواطنين وإرادة دولة رفضت الانكسار.

أضف تعليق