تابعت بكل فخر وعِزة، مثل كل المصريين، بيان المتحدث العسكري لقواتنا المسلحة، بشأن حصاد جهود قوات حرس الحدود مؤخرًا، ففى اللحظة التي يظن فيها المتربصون بأمن مصر أنهم وجدوا ثغرة فى جدارها العظيم، أو أنهم استطاعوا، بأوهامهم، استنزاف طاقتنا فى اتجاه استراتيجي بعينه، تفاجئهم الدولة المصرية بصلابة لا تلين، ووعي استراتيجي يقرأ ما خلف السطور وما وراء الحدود.
هذا البيان، لم يكن مجرد أرقام تُسرد، بل هو وثيقة كاشفة لملحمة أمنية متكاملة أجهضت فى مهدها مخططًا كان يهدف إلى خلخلة استقرار مصر وإشغالها عن أدوارها القومية، وأنا لا أنكر أنني وقفت أمام هذه الأرقام مذهولاً، ليس خوفًا، فالمصريون يثقون فى درعهم وسيفهم، لكن تقديرًا لحجم التهديد الذي كان يُحاك فى الظلام، وحجم الإنجاز الذي حققه «حماة الحدود» فى صمت وهدوء، بعيداً عن صخب الضجيج الإعلامي.
نحن فى عالم تتغير فيه طبيعة التهديدات بوتيرة متسارعة، ولم تعد حماية الحدود مجرد مهمة تقليدية ترتبط بمنع التسلل أو مواجهة أعمال التهريب المحدودة، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمن قومي شديدة التعقيد تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية والإنسانية، وفى منطقة كالتي نعيش فيها، تموج بالصراعات المسلحة والانقسامات السياسية وتنامي نشاط الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به الدولة المصرية وقواتها المسلحة فى حماية حدود البلاد وصون مقدراتها الوطنية، ومصر تمتلك حدوداً برية وساحلية واسعة تمتد عبر آلاف الكيلومترات، وتتصل بمناطق تشهد منذ سنوات أزمات سياسية وأمنية وحروبًا أهلية ونشاطاً متزايداً للجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.
هذه البيئة الإقليمية المضطربة تفرض على الدولة المصرية أن تبقي درجة الاستعداد فى أعلى مستوياتها، ليس فقط لمنع تسلل العناصر الخطرة أو تهريب الأسلحة والمخدرات، إنما أيضًا لحماية الموارد الطبيعية والثروات التعدينية والاقتصادية التي تمثل ركيزة مهمة لمستقبل التنمية فى البلاد.
ومن هنا يمكن فهم طبيعة الجهد الذي تقوم به قوات حرس الحدود، والذي يعتمد على منظومة متكاملة تشمل العنصر البشري المدرب، والتكنولوجيا الحديثة، ووسائل المراقبة والاستطلاع، وأجهزة الكشف المتطورة، إلى جانب التعاون الوثيق بين مختلف مؤسسات الدولة المعنية بإنفاذ القانون، فعلى مدار الأشهر الماضية، واجهت حدودنا الجنوبية، الممتدة لأكثر من ألف ومائتي كيلومتر، تحديات غير مسبوقة، فلم يكن الأمر يتعلق فقط بحدود جغرافية صحراوية قاسية، بل بساحة صراع إقليمي يسعى فيه البعض لتجفيف منابع تمويل الميليشيات المسلحة فى السودان عبر نهب الموارد المعدنية والذهب، ونقل هذا النشاط الإجرامي إلى داخل الأراضي المصرية عبر شبكات «الدهابة» (المنقبين غير الشرعيين).
لقد أدركت الدولة المصرية مبكراً أن عصابات «الدهابة» لم تكن مجرد أفراد يبحثون عن الرزق، بل كانت جزءاً من مخطط أوسع لإشغال مصر عن حماية حدودها فى الشمال والشرق، ومحاولة لجرّها إلى «حرب استنزاف» على جبهة الجنوب، لقد تم رصد محاولات للتسلل، واستخدام معدات ثقيلة، ومناوشات مسلحة، ومحاولات للتعدي على مناطق الامتياز التعديني المصري، وهو ما كان يستوجب رداً حاسماً لا يقبل التأويل.
وعندما نتأمل حجم المضبوطات، فإننا أمام مشهد يتجاوز حدود «مكافحة التهريب» التقليدية، فضبط نحو 100 ألف متسلل، ومصادرة 500 عربة، وأطنان من الأسلحة والذخائر، وبضائع ومخدرات تقدر قيمتها بـ40 مليار جنيه، يعني أننا كنا أمام محاولة لإنشاء «دولة موازية» أو على الأقل «مناطق نفوذ» خارج سيادة القانون.
إن هذا الحجم من الأعداد والتمويل والعتاد يؤكد أن هؤلاء المهربين لم يكونوا يعملون بشكل فردي، بل كانوا مدعومين بشبكات لوجستية منظمة، تستهدف تقويض سيادة الدولة المصرية على مواردها التعدينية، وتهديد استقرار أمننا القومي، لقد كان الهدف هو جعل الصحراء الغربية والشرقية مستباحة، وهو ما تصدت له قواتنا المسلحة بمنظومة تأمين ارتكزت على «الفرد المقاتل المحترف»، والتقنيات الحديثة، واليقظة الاستخباراتية التي اخترقت هذه الشبكات قبل أن تتمكن من تنفيذ جزء أكبر من مخططها.
ورغم الحسم العسكري والأمني الذي اتسمت به عمليات التطهير، إلا أن الجيش المصري أثبت مجدداً أنه لا يتخلى عن قيمه الأخلاقية والإنسانية، لقد تم التعامل مع أعداد المتسللين الضخمة، والذين تم التغرير بآلاف منهم، بقدر عالٍ من الحكمة والرحمة، وكانت إدارة عملية ترحيل عشرات الآلاف بشكل آمن عبر معبر «أرقين»، مع توفير الخدمات الطبية والإعاشية ووسائل النقل، هي ملحمة إنسانية تليق بدولة كبرى تحترم القانون الدولي وتراعي روابط الدم والجيرة، لقد قدمت الدولة المصرية نموذجاً يُحتذى فى التعامل مع الموقف، محولةً أزمة كادت تشعل فتيل صراعات قبلية على حدودنا إلى عملية تأمين استراتيجي منظمة، مع الحرص التام على عدم الإضرار بالأشقاء السودانيين وغيرهم ممن وقعوا ضحية لعمليات التغرير.
إن ما حدث على حدودنا الجنوبية يثبت أن القيادة المصرية تقرأ بوضوح التطورات المحيطة بالمنطقة، من محاولات الضغط على مصر فى سيناء، إلى التحديات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، وتعلم جيدا الأهداف الخفية والمستترة ورائها، فلقد كان الهدف من دفع «الدهابة» إلى الداخل المصري واضحاً، وهو محاولة دفع القاهرة لسحب قواتها من جبهات أخرى، أو إشغالها بصراعات داخلية ومناوشات حدودية، لكن الرد المصري كان استراتيجياً وشاملاً، فقد تم تعزيز السيطرة على كل الاتجاهات الاستراتيجية، وأثبتت القوات المسلحة أنها تمتلك القدرة على «تعدد المهام» بكفاءة عالية، فلا انشغال بجبهة يُنسي أو يُضعف حماية الأخرى.
كما أن ما حدث يؤكد أن الأمن القومي لم يعد عسكرياً فقط، فالقراءة المتأنية للبيانات الرسمية تكشف أن مفهوم الأمن القومي المصري أصبح أكثر شمولاً واتساعاً من أي وقت مضى، فالمخدرات لم تعد قضية جنائية فقط، بل أصبحت تهديداً مباشراً للمجتمع والاقتصاد والاستقرار، والتهريب لم يعد مجرد مخالفة جمركية، بل يمثل استنزافاً للموارد وإضراراً بالاقتصاد الوطني، والتنقيب غير المشروع عن الذهب لا يقتصر أثره على خسائر مالية، بل يمتد إلى تهديد الاستثمارات والمشروعات التنموية، أما الهجرة غير الشرعية والتسلل عبر الحدود، فهما يرتبطان فى كثير من الأحيان بأنشطة إجرامية أخرى تشمل التهريب وغسل الأموال والاتجار بالبشر، لذلك فإن نجاح قوات حرس الحدود فى التعامل مع هذه الملفات يمثل دفاعاً عن الأمن القومي بمفهومه الشامل، وليس فقط عن الحدود الجغرافية للدولة.
وأعتقد وتأسيسا على ما سبق فإن نتائج العمليات التي أعلنتها القوات المسلحة يبعث برسالتين واضحتين، أما الأولى موجهة إلى كل من يفكر فى استغلال الظروف الإقليمية أو الطبيعة الجغرافية لبعض المناطق الحدودية لتنفيذ أنشطة غير مشروعة، ومضمونها أن الدولة المصرية تمتلك القدرة والإرادة اللازمتين لحماية حدودها وثرواتها ومقدراتها الوطنية، وأما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى المواطنين، ومفادها أن مؤسسات الدولة تعمل على مدار الساعة لحماية الأمن والاستقرار والحفاظ على مكتسبات التنمية التي تحققت خلال السنوات الماضية.
تحية تقدير وإجلال لرجال القوات المسلحة وقوات حرس الحدود والشرطة المدنية، الذين سهروا لترسيخ دعائم الاستقرار، والذين خاضوا معركة صامتة وناجحة بكل المقاييس، لتبقى مصر دائماً عصية على الكسر، ومحصنة ضد كل المخططات والمؤامرات، لقد أثبت جيشنا أنه ليس مجرد درع يحمي، بل عقل يحلل، وإرادةٌ تُنفذ، ليظل دائماً صمام الأمان لهذا الوطن فى مواجهة أمواج متلاطمة من التحديات.
إن الدرس الذي نخرج به من هذه الملحمة هو أن اليقظة هي الضريبة التي ندفعها لننعم بالاستقرار، وأن قوة مصر تكمن فى تماسك جبهتها الداخلية وتكامل أداء مؤسساتها الأمنية التي تعمل بروح الفريق الواحد لحماية «المحروسة» من كل سوء، وإن ما أعلنته القوات المسلحة من نتائج يعكس صورة واضحة لدولة يقظة تدرك ما يدور حولها، وتتابع بدقة المتغيرات الإقليمية، وتتحرك مبكراً لمواجهة أي تهديد قد يمس أمنها أو ثرواتها أو استقرارها.
لقد أثبتت التجربة أن مصر تمتلك من القدرات والخبرات ما يمكنها من مواجهة مختلف التحديات، وأن قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية تواصل أداء دورها بكفاءة واقتدار فى حماية الوطن وصون موارده وثرواته، وهي رسالة تؤكد أن أمن مصر ليس ملفاً عابراً، بل قضية وجود ترتبط بمستقبل الدولة واستقرارها وحق شعبها فى التنمية والبناء، وأن أي محاولات للمساس بهذا الأمن أو استنزاف مقدرات البلاد ستظل تصطدم بدولة تعرف حجم التحديات، وتملك القدرة على إحباطها والتعامل معها بحسم واحترافية.