ارتبط الجزر لعقود طويلة بفكرة أنه يمنح نظرًا خارقًا ويجعل الإنسان يرى في الظلام ، حتى أصبحت هذه المعلومة من أشهر الحقائق المتداولة.
لكن يؤكد الدكتور أحمد أبو الريش ، أخصائي التغذية العلاجية ، أن الحقيقة أكثر دقة من ذلك؛ ف الجزر مهم لصحة العين بالفعل، لكنه لا يمنح قدرات استثنائية على الإبصار، كما أن القصة الشهيرة وراء هذه المعلومة تعود إلى واحدة من أشهر حملات التمويه خلال الحرب العالمية الثانية.
خرافة بدأت من الحرب العالمية الثانية
يقول الدكتور أحمد أبو الريش إن الاعتقاد بأن الجزر يجعل الإنسان يرى في الظلام انتشر بقوة بعد أن روجت الدعاية البريطانية خلال أربعينيات القرن الماضي لفكرة أن طياريها يتمتعون بقدرة فائقة على الرؤية الليلية بسبب تناولهم كميات كبيرة من الجزر، بينما كان الهدف الحقيقي إخفاء امتلاك بريطانيا لتقنيات الرادار المتطورة آنذاك.
ومنذ ذلك الوقت، استمرت هذه الفكرة في الانتشار حتى أصبحت من أكثر المعلومات الغذائية تداولًا.
هل يقوي الجزر النظر فعلًا؟
يوضح أخصائي التغذية العلاجية أن الجزر غني بمركب البيتا كاروتين، الذي يحوله الجسم إلى فيتامين أ، وهو فيتامين أساسي للحفاظ على صحة شبكية العين، ويساعد على تكوين صبغة الرودوبسين المسؤولة عن الرؤية في الإضاءة الخافتة.
ويضيف أن الأشخاص الذين يعانون من نقص فيتامين أ قد تتحسن لديهم الرؤية بعد تعويض هذا النقص، أما إذا كانت مستويات الفيتامين طبيعية، فلن يؤدي تناول الجزر إلى تحسين قوة الإبصار أو منح رؤية استثنائية.
ليست الجزر وحدها
ويشير الدكتور أحمد أبو الريش إلى أن البيتا كاروتين لا يوجد في الجزر فقط، بل يتوفر أيضًا في العديد من الخضروات والفواكه البرتقالية والصفراء، مثل البطاطا الحلوة، وقرع العسل، والمشمش، والمانجو، والبابايا، والكاكا.
أما صفار البيض، فيحتوي على فيتامين أ في صورته الجاهزة للامتصاص (الريتينول) إلى جانب مركبي اللوتين والزياكسانثين، وهما من العناصر المهمة للحفاظ على صحة العين.
هل الجزر ممنوع لمرضى السكري؟
يؤكد الدكتور أحمد أبو الريش أن الجزر يحتوي بالفعل على كربوهيدرات وسكريات طبيعية، لكنه غني أيضًا بالألياف التي تبطئ امتصاص السكر في الدم.
لذلك، فإن تناوله بكميات معتدلة يعد مناسبًا لمعظم مرضى السكري أو مقاومة الإنسولين، ولا يُعد من الأطعمة التي تسبب ارتفاعًا حادًا في مستويات السكر.
هل يزيد الوزن؟
ينفي أخصائي التغذية العلاجية الاعتقاد الشائع بأن الجزر يسبب زيادة الوزن، موضحًا أنه منخفض السعرات الحرارية وغني بالألياف والماء، مما يساعد على تعزيز الشعور بالشبع، وقد يكون خيارًا مناسبًا ضمن الأنظمة الغذائية الهادفة لإنقاص الوزن.
ماذا عن الجزر المخلل؟
يوضح أن الجزر المخلل قد يحتوي على بكتيريا نافعة إذا تم تحضيره بطريقة التخمير الطبيعي باستخدام محلول ملحي.
أما الأنواع التي تعتمد على إضافة الخل فقط، فلا تحتوي عادة على نفس الكميات من البكتيريا النافعة، وبالتالي لا تقدم فوائد البروبيوتيك نفسها.
هل يفقد قيمته الغذائية بالتجميد؟
يشير الدكتور أحمد أبو الريش إلى أن تجميد الجزر يحافظ على معظم الفيتامينات والمعادن، ولا يؤدي إلا إلى فقدان بسيط في بعض العناصر الغذائية، لذلك يظل خيارًا جيدًا للاحتفاظ بقيمته الغذائية.
وهل الطهي يقلل فوائده؟
على العكس، يوضح أن طهي الجزر يساعد الجسم على امتصاص البيتا كاروتين بصورة أفضل، لأن الحرارة تعمل على تكسير جزء من جدران الخلايا النباتية، مما يزيد من إتاحته للامتصاص.
ويضيف أن تناول الجزر المطهو مع كمية صغيرة من الدهون الصحية، مثل زيت الزيتون أو السمن البلدي، يساعد على تحسين امتصاص هذا المركب الذائب في الدهون.
معلومة قد لا يعرفها الكثيرون
يكشف الدكتور أحمد أبو الريش أن الجزر لم يكن برتقالي اللون في الأصل، إذ ظهرت أقدم أنواعه المزروعة في آسيا الوسطى، خاصة في منطقة أفغانستان، وكانت ألوانه بنفسجية أو صفراء، كما وُجدت سلالات حمراء.
أما الجزر البرتقالي المعروف حاليًا، فقد جرى تطويره في هولندا عبر الانتخاب الزراعي على مدار أجيال، وليس باستخدام التعديل الوراثي، حتى أصبح أكثر حلاوة وإنتاجية وانتشارًا.
هل الجزر لا يُهضم؟
ويختتم الدكتور أحمد أبو الريش بتصحيح معلومة شائعة أخرى، وهي أن الجزر لا يُهضم.
ويؤكد أن الجسم لا يهضم السليلوز الموجود في جدران الخلايا النباتية، وهو أمر ينطبق على معظم الخضروات وليس الجزر وحده، بينما يتم امتصاص باقي مكونات الجزر بصورة طبيعية، مثل السكريات الطبيعية، والبيتا كاروتين، والفيتامينات، والمعادن، لذلك يستفيد الجسم من معظم قيمته الغذائية.