هيثم وماكرون.. الدبلوماسية رافعة للشراكة الاقتصادية بين مسقط وباريس

هيثم وماكرون.. الدبلوماسية رافعة للشراكة الاقتصادية بين مسقط وباريسهيثم وماكرون

عرب وعالم5-7-2026 | 10:23

شكلت الزيارة التاريخية التي قام بها سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى العاصمة الفرنسية "باريس" ولقاؤه ب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، محطة مفصلية لتعزيز الشراكة الاستراتيجية.

أكدت الزيارة عمق وأهداف الدبلوماسية العُمانية التي تعد الرافعة الأساسية للشراكات الإقتصادية تنفيذا للدبلوماسية الاقتصادية التي تنتهجها القيادة العُمانية، ولذا تُوجت الزيارة بالتوقيع على نحو 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تتجاوز 2 مليار دولار، تستهدف نقل التقنيات الحديثة وتوسيع التعاون الدبلوماسي والاقتصادي.
لقد أرسى اللقاء بين مسقط و باريس قواعد صلبة لتعاون اقتصادي مستدام يتماشى مع رؤية عُمان 2040. وتضمنت أبرز مخرجات هذه القمة: الطاقة النظيفة والمتجددة: إبرام عقود مع شركة كهرباء فرنسا (EDF) لتنفيذ محطة الكامل والوافي للطاقة الشمسية، إلى جانب مشروع سد وادي ضيقة لتخزين الطاقة الكهرومائية. الابتكار ودعم الشركات: توقيع شراكة استراتيجية بين جهاز الاستثمار العُماني ومنصة ستيشن إف الفرنسية لتمكين الشركات الناشئة العُمانية من التوسع في الأسواق الأوروبية. البنية الأساسية واللوجستيات: توقيع مذكرات تفاهم للتعاون في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية ومترو مسقط، بالإضافة إلى شراكات استراتيجية في مجالات الفضاء والطيران. الدبلوماسية وأمن الممرات البحرية: تجاوزت المباحثات البعد الثنائي لتشمل قضايا الأمن الإقليمي، حيث أكد الطرفان على أهمية الدور الدبلوماسي الذي تلعبه سلطنة عُمان كوسيط فاعل، والتنسيق المشترك مع الشركاء الدوليين لضمان حرية الملاحة وسلامة خطوط العبور في مضيق هرمز، ومناقشة قضية جهود سلطنة عُمان في تطهير مضيق هرمز من الألغام البحرية.
المؤكد أن هذه الزيارة تمثل محطَّة مهمَّة في مَسيرة العلاقات العُمانيَّة الفرنسيَّة؛ لِمَا حملته من نتائج تظهر وضوح الرؤية التي تنطلق منها السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة في توظيف العلاقات الدوليَّة لخدمة التنمية الوطنيَّة. فقد جاءت اللقاءات رفيعة المستوى وما صاحبها من اتفاقيَّات ومبادرات؛ لتؤكد أن سلطنة عُمان تمضي بخطوات واثقة نحو بناء شراكات استراتيجيَّة ترتبط بالأولويات الاقتصاديَّة، وتنسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وتفتح مسارات جديدة أمام الاستثمار ونقل المعرفة والتقنيَّات الحديثة، في وقت تتَّجه فيه الاقتصادات العالميَّة إلى تعزيز التعاون القائم على المصالح المشتركة والاستدامة والابتكار، مستفيدة من إرث كبير من العلاقات الدبلوماسيَّة التقليديَّة التي تقوم على الاحترام المتبادل، والحفاظ على الأمن والاستقرار، وحماية المصالح المشتركة.
ولعلَّ أبرز ما لفت الانتباه في نتائج الزيارة اتساع نطاق الاتفاقيَّات التي شملت قطاعات تُمثِّل مفاتيح النُّمو خلال العقود المقبلة، مثل الطاقة المتجدِّدة، واللوجستيَّات، والموانئ، والطيران، والفضاء، والمياه، والاستثمار، والصحَّة، والتعليم، والشركات الناشئة.
يعكس هذا التنوع رؤية القيادة الحكيمة دقيقة لاحتياجات الاقتصاد الوطني، وحرصًا على بناء شراكات تمتلك القدرة على تحقيق قِيمة مضافة للاقتصاد العُماني، ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجيَّة، وتعزيز تنافسيَّتها، كما يرسِّخ هذا النهج قدرة الاقتصاد الوطني على تنويع مصادر النُّمو، ويمنح القطاعات الواعدة فرصًا أكبر للاستفادة من الخبرات الصناعيَّة والتكنولوجيَّة، بما يرفع معدَّلات الإنتاجيَّة ويُعزِّز جاهزيَّة الاقتصاد لمتطلبات المنافسة العالميَّة، بالإضافة إلى منح القطاع الخاص مساحة أوسع للمشاركة في المشروعات النوعيَّة، ويهيئ بيئة أكثر جاذبيَّة لرؤوس الأموال والخبرات الدوليَّة، ويُعزِّز حضور سلطنة عُمان في سلاسل القِيمة الإقليميَّة والعالميَّة.
ولعل مشاركة سلطان عُمان في منتدى رجال الأعمال العُماني الفرنسي حملت دلالات اقتصاديَّة مهمَّة، وأكدت المكانة التي يحتلها القطاع الخاص في مَسيرة التنمية، فالمشروعات التي أُعلن عنها خلال المنتدى في مجالات الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والصناعة، والفضاء، والنقل، والتعليم، تعكس توجُّهًا واضحًا نحو اقتصاد يقوم على الابتكار والتقنيَّات المتقدمة، ويمنح المعرفة مساحة أكبر في صناعة النُّمو، ويؤكد ذلك أن نجاح الشراكات الاقتصاديَّة يقاس بقدرتها على تحويل التقنيَّات الحديثة إلى مشروعات منتجة، وإيجاد بيئة أعمال أكثر ارتباطًا بالابتكار، وأكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات النوعيَّة التي تصنع أثرًا اقتصاديًّا طويل المدى. كما أن العقود والاتفاقيَّات التي خرج بها المنتدى تؤسِّس لعلاقات اقتصاديَّة طويلة الأمد، وتدعم انتقال الخبرات، وتفتح فرصًا جديدة أمام المؤسَّسات العُمانيَّة للدخول إلى أسواق أوسع، والاستفادة من التجارب الصناعيَّة والتكنولوجيَّة الفرنسيَّة.
كما أن زيارة السُّلطان هيثم بن طارق، إلى مقرِّ منظَّمة اليونسكو أضافت بُعدًا حضاريًّا يُعبِّر عن ثوابت السياسة العُمانيَّة في دعم الثقافة والتعليم والحوار بين الشعوب، وجاء الإعلان عن جائزة اليونسكو ـ السُّلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادِّي ليؤكِّدَ المكانة التي تمنحها سلطنة عُمان للثقافة بوصفها ركيزة من ركائز التنمية الإنسانيَّة، وتوضِّح هذه المبادرات إدراكًا متقدمًا بأنَّ الاستثمار في الثقافة والتعليم والتراث يَسير جنبًا إلى جنب مع الاستثمار في الاقتصاد، وأن المكانة الدوليَّة للدول تُبنى بتكامل حضورها السياسي والاقتصادي والثقافي في آنٍ واحد.
الشراكات الاقتصادية والمستقبل الواعد
شهد السُّلطان هيثم بن طارق والرئيسِ إيمانويل ماكرون التوقيع على 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان نوايا في مختلف المجالات خلال مُنتدى رجال الأعمال في البلدين خلال الزيارة الرسمية التي يقوم بها سلطان عُمان لباريس.
وأشاد السلطان هيثم خلال المُنتدى بما تشهده الشّراكةُ الاقتصاديّةُ والاستثماريّةُ بين البلديْن من نُموٍّ وتطوّرٍ على مُختلف القطاعات، مؤكّدًا على أهمية تكثيف الجُهود بين الجانبين لاستكشاف فرص استثماريّة جديدة تُفضي إلى إقامة مشروعات مُشتركة واعدة.
جاء تنظيمُ هذا المُنتدى من قبل غرفة تجارة وصناعة عُمان ومُنظّمة اتحاد الشّركات الفرنسيّة الدّولية بالتّعاون مع وزارة التّجارة والصّناعة وترويج الاستثمار وجهاز الاستثمار العُماني لتعزيز علاقات التّعاون والشّراكة بين سلطنة عُمان والجُمهوريّة الفرنسيّة.
وشهد المُنتدى التّوقيع على عدد من الاتفاقيّات ومذكّرات التّفاهم التي تعكس تنامي الشّراكة الاقتصاديّة والاستثماريّة بين سلطنة عُمان والجُمهوريّة الفرنسيّة، وشملت مجالات الطّاقة، والصّناعة، والسّيارات، والتّعليم، والذّكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتّكنولوجيا، والطّيران، والفضاء، والطّاقة المتجددة، وصناعة العطور.
ففي قطاع الفضاء، وقّعت شركة “إطلاق” العُمانية للميناء الفضائي على اتفاقية مع شركة “لاتيتود” الفرنسيّة للتّعاون في إطلاق الصواريخ الخفيفة من ميناء “إطلاق” الفضائي في سلطنة عُمان، فيما وقّعت شركة إم بي سات على مذكرة تفاهم مع شركة “تيليسبازيو” لتقديم حلول وخدمات تشغيل المحطات الأرضية للأقمار الصناعية.
أما في قطاع الطيران، فوقّعت شركة “العنقاء للفضاء والتكنولوجيا” على اتفاقية مع شركة “ثاليس” الفرنسيّة كمقاول رئيس عن الجانب العُماني لصالح هيئة الطيران المدني لتوريد وتركيب وتشغيل الجيل الجديد من أنظمة رادارات مراقبة الحركة الجويّة.
وفي قطاع النّقل، وقّعت مجموعة الحشار على اتفاقيّة مع مجموعة “رينو” الفرنسية لتوزيع سيارات رينو في سلطنة عُمان، كما أبرمت مجموعة محسن حيدر درويش اتفاقية تجاريّة مع مجموعة “ميشلان” الفرنسية لتوريد الإطارات إلى السوق العُمانية.
أما في قطاع الطّاقة والصّناعة، فوقّعت الشركة الوطنيّة للطّاقة والهندسة على اتفاقيّة مع مجموعة “سيجمكوم” الفرنسيّة لتجميع العدّادات الكهربائيّة الذّكيّة في مدينة الرّسيل الصّناعيّة، فيما وقّعت شركة الفجر العالمية على اتّفاق مع مجموعة “سان جوبان” الفرنسية لبحث الاستثمار في قطاع الجبس الطبيعي في سلطنة عُمان.
وشملت الاتفاقيّات كذلك التوقيع على مذكّرة تفاهم بين شركة أمواج العُمانيّة وشركة “لوريال” الفرنسيّة في مجال صناعة العطور الرّاقية وتنمية الكفاءات الوطنيّة وتبادل الخبرات في هذا القطاع.
وفي مجالات التّعليم والتّقنيات الحديثة، وقّعت شركة غبيراء الدّولية على مجموعة من اتفاقيات الشراكة مع مؤسسات وشركات فرنسية شملت التّعليم الإلكتروني، وتطوير المدارس، ومنح شهادات الأمن السيبراني، وتطبيقات الذّكاء الاصطناعي والرّؤية الحاسوبيّة.
وأُعلن خلال أعمال المنتدى عن مشروع إنشاء محطة لطاقة الرّياح بقدرة (120) ميجاواط، الذي تم التوقيع على عقده في ديسمبر 2025م، بالشّراكة بين مجموعة بهوان ومجموعة “إي دي إف” الفرنسية.
كما أُعلن عن عقدٍ لتطوير مشروع الأقمار الصناعية بين شركة تقنية الاتصالات الفضائية من سلطنة عُمان وشركة إيرباص للدّفاع والفضاء، استنادًا إلى اتفاقٍ موقّعٍ عليه مُسبقًا بين الجانبين.
المؤكد أن هذه الشّراكات ستُسهم في نقل المعرفة والتّقنيات المُتقدمة والخبرات وتعزيز الابتكار واستقطاب الاستثمارات النوعيّة، بما يدعم التّنويع الاقتصادي ويعزّز حجم التّبادل التّجاري والاستثماري بين البلديْن، ويحقق مُستهدفات رؤية “عُمان 2040”.
وتُجسد مُخرجات المُنتدى عمق العلاقات الاقتصاديّة بين سلطنة عُمان والجُمهوريّة الفرنسيّة، وتفتح آفاقًا أوسع للتّعاون والشّراكة في مُختلف القطاعات ذات الاهتمام المُشترك، بما يخدم تطلّعات البلديْن.
تكشف المحصِّلة العامَّة للزيارة عن انسجام واضح بين التحرك السياسي والاقتصادي والثقافي، وهو انسجام يعكس منهجًا ثابتًا في إدارة العلاقات الدوليَّة يقوم على بناء الشراكات، وتعزيز التنمية، وترسيخ حضور سلطنة عُمان كشريك يحظى بالثقة والاحترام، ويملك رؤية واضحة للتعامل مع المتغيِّرات الدوليَّة، وتحويلها إلى فرص تخدم الوطن وأجياله القادمة.


أضف تعليق

بيان النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان