أثناء افتتاح السيد الرئيس ، مقر القيادة الاستراتيجية الجديد "الأوكتاجون" ب العاصمة الجديدة بهدف "رفع الجاهزية القتالية والإدارية للدولة" وهذا ما يدعوا للفخر بمصر وما يليق بها وبتاريخ شعبها العظيم ، وبعيداً عن الجانبين العسكرى والإدارى فى هذا الإفتتاح العظيم نجد بعض الكلمات ذات الدلالات الواضحة والهامة التى ترسم طريقاً لمستقبل العمل الإعلامى والسياسى وذلك بفتح مجال الحوار وإحترام الرأى والرأى الآخر لإثراء النقاش وبناء الوعى ،وذلك بمراجعة أوضاع الإعلام المصرى والخروج بتوصيات تطويره واستدامته .
كما أن من أهم دلالات الكلمات ما يخص تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، وإجراء انتخابات المجالس المحلية ترسيخاً وتفعيلاً للمشاركة الشعبية، وتعزيزاً لدور المشاركة فى الإدارة المحلية.
وهنا لابد من الإعتراف بأن إشارة السيد الرئيس لهذين الأمرين من الأهمية بمكان من حيث دلالة الكلمات ، حيث أن الإعلام هو العامل الأول فى أمن واستقرار الدول والشعوب فبصلاح وحيادية الإعلام تتضح كافة الأمور وتتكشف حقائق تهم الوطن والمواطن ، فالإعلام إما أن يكون تنويرياً أو تحريضياً ، ومراجعة الوضع الإعلامى أولاً بأول وتصحيح ما يشوب بعضه من ضعف أو خلل ، والوقوف على مواطن القوة ودعمها ومواضع الضعف وعلاجها سيكون له مردوداً إيجابياً فى تنمية الوعى الجمعى ووعى الأفراد ويؤدى بدوره البنًاء إعادة ترتيب علاقة المواطن بالدولة وأجهزتها على أساس من الكاشفة والمصارحة، فى وعى واحترام متبادل ، كما أن تلك المكاشفة ستقتل كل شائعة فى مهدها بل قد تجتث أى شائعة لأن صاحب الشائعة لن يجد ما يفعله إذ أن هذه المصارحة المستمرة واحترام الرأى والرأى الآخر ستقطع على المغرضين كل سبيل لإختلاق شبهة أو شائعة أو تشكيك ، وستؤدى المصارحة والمكاشفة والوعى الى وحدة الرسالة الإعلامية وسهولة وسرعة نشر المعلومات المؤكدة الصحيحة ، وإن من أهم الدلالات فى هذه الكلمات هو خلق حالة من التوافق والإنسجام بين مستويات المسؤولية وإتجاهات الرأى العام ،وبناء أساس متين من الأمن المجتمعى لمواجهة التحديات التى تتعرض لها الدول نتيجة ما يحدث فى العالم من توازنات ، تتطلب دعم وترسيخ الهُوية الوطنية حفاظاً على أمننا القومى ، ويتطلب ذلك حزماً وإختياراً دقيقاً لمن يقوم بتوجيه المجتمع إذ لابد وان يتولى هذا الشأن من يتمتعون بالقبول والتأثير المجتمعى والجماهيرى ، إذ أن فاقد الشيئ لا يمنحه .
وعلى الجانب الآخر من دلالات الكلمات ما يتعلق بتنشيط الحياة الحزبية ، وهنا لابد من كلمة حق وهى أن القيادة السياسية عندما تتحدث فى هذا الأمر فإن الدلالة الكبرى تتمثل فى أن الأمر ليس كما يُرام وهذا ما يؤكده الواقع وهناك عوامل كثيرة أدت الى عدم تأثير الأحزاب تأثيراً مجتمعياً منها على سبيل المثال لا الحصر ، فجوة التواصل بين الأحزاب والمواطنين حيث تنعزل الأحزاب عن ما يهم المواطنين وعدم ظهورها الا فى الأنشطة الموسمية كالإنتخابات والإستحقاقات أوالفاعليات التى تقوم بها كرد فعل لرأى سياسى صادر عن القيادة السياسية ، كما أن شعبية الحزب السياسى ترتبط إرتباطاً وثيقاً بمدى ما يقدمه من خدمات ملموسة بشكل دائم فى كل ما يخص الحياة اليومية للمواطنين ومدى مساهمة تلك الأحزاب فى سن التشريعات التى يحتاجها المواطن فى مجالات الصحة والتعليم والأمن الغذائى وضبط الاسواق ومراقبة الأسعار و وضع برامج لخدمة المجتمع ، وتقديم خططاً استراتيجية وحلول واقعية لأزمات ومشكلات مزمنة يُعانى منها المجتمع ووضع تلك البرامج والخطط على طاولة النقاش مع الأجهزة التنفيذية بحيث تكون القرارات التى تُصدرها تلك الأجهزة متزامنة ومتوافقة مع ما تطرحه القوى الحزبية لتحقيق الأهداف المجتمعية .
كما أن من أسباب عدم تأثير الأحزاب الافتقار الواضح لأية برامج تنموية ملموسة بالإضافة إلى تغييب الكوادر المؤهلة ، وهذه تُعد من أهم أسباب غياب الغالبية العظمى من المجتمع فى الإنخراط الحزبى حيث أنه عند أى استحقاق يرى المراقبون عجباً من الأحزاب يتمثل فى طرح أسماء لم تمارس العمل الحزبى ولا السياسى وهذا يؤدى بدوره الى خروج الكوادر القادرة من المشهد لإحساسهم بالقهر والتهميش وتفضيل ذوى النفوذ المالى عنهم ، وكأن تفوق المتميزين سيأخذ من مكانتهم فيعلنوها حرباً بل وتهميشاً وتعمد للإيذاء النفسى ، فيُقتل الطموح داخلهم فيتركون المجال ، فيعتلى المقدمة من لا يتمتعون بمؤهلات العمل الحزبى أو الفكر السياسى ، وليس عيباً مطلقاً أن يتم الدمج بين أصحاب الملاءة المالية والملاءة الفكرية وهذا الدمج مطلوب وله نتائج إيجابية حيث يتم توفير الموارد اللازمة لإدارة شئون الأحزاب دون التأثير على المكانة الفكرية لمن لا يتمتعون بالملاءة المالية ، فيتم تنمية قدرات الأعضاء المتميزين وغيرهم بالتدريب والتثقيف الذى يشمل الجميع وتأهيلهم ومن ثم تمكينهم وهذا يُعد استثماراً لطاقات وقدرات الكفاءات مما يكون له بالغ الأثر فى إثراء الحياة السياسية ، ولكن هذا لم يحدث فى كثير من الأحزاب القائمة ، كما أن العديد من الأحزاب والكيانات السياسية لا تعتمد معايير موضوعية فى إختيار الأعضاء والقيادات، فعندما تكون هناك معايير دقيقة لن يغضب أحد ولا يجب أن تكون الإختيارات عائدة على الاعتبارات الشخصية ومستوى العلاقات ، فينتج عن ذلك تولى عناصر أقل تأهيلاً للمناصب القيادية. ويؤثر ذلك على مصداقية الحزب أمام الرأى العام ويحد من تمكين الكفاءات الحقيقية ، وهذا ما يُسمى غياب الديمقراطية الداخلية فى هذه الكيانات من سيطرة "الشخصنة" واحتكار القيادة، مما يعوق تجديد الدماء واستبعاد الطاقات المبدعة .
ومن أسباب عدم التأثير الإيجابى للأحزاب غياب الرؤية الإقتصادية والاجتماعية القابلة للتنفيذ فى برامج تلك الأحزاب إذ أن غالبية الأفكار افكاراً استهلاكية لدغدغة المشاعر فقط دون أثر ملموس فى حياة المواطن.
كما أنه من الأسباب التى تؤثر على عدم فاعلية الأحزاب ضعف أنظمة التقييم والمتابعة لأداء كوادر واعضاء الحزب فمن الضرورى وضع برامج لتطوير مؤشرات الأداء بشكل دورى والمتابعة المستمرة للأداء الحزبى للأعضاء ومسائلة الأحزاب لممثليهم فى المجالس النيابيه عن ادائهم وتفعيل توصيات اللجان الداخلية للأحزاب عبر لجان البرلمان المتخصصة .
كما أنه من المشكلات التى تُعيق التأثير الإيجابى للأحزاب ضعف التواصل الداخلى بين قيادات الصف الأول والقواعد التنظيمية ، والتعامل بطرق لا يتقبلها الأخرون مما يخلق حالة من عدم الاستقرار داخل الحزب.
و أيضاً العديد من الأحزاب والكيانات السياسية تفتقر إلى البرامج التدريبية المتخصصة وهذا يؤدى الى عدم القدرة على التعامل مع قضايا المجتمع ، كما أن التركيز على الظهور الإعلامى واستخدام الشعارات والكلمات البراقة والتى تُفقد الأحزاب مكانتها فى تقديم برامج وحلول واقعية للمشكلات .
وأيضاً من الأسباب الجوهرية لعزوف الكثير من الناس عن الإنخراط فى العمل الحزبى ما يراه كل ذى عقل من تغليب المصالح الشخصية على المصالح العُليا للوطن وهذا ما تتأثر به العديد من القرارات داخل الأحزاب ، مما يُقلل من الأداء الجماعى .
وأخطر ما تعانى منه الكوادر الحزبية هو تعاظم الشللية داخل الكيانات ، هذه الشللية التى قضت على كل جميل وأحبطت كل مجتهد وأضاعت على المجتمعات العديد من الكوادر النابهة التى تعمل بحب وإخلاص لها الوطن العظيم .
ولنهوض العمل الحزبى وأعداد كوادر قادرة على تحمل المسئولية و رفع الوعى السياسى وتعزيز المشاركة الشعبية ، لابد ترسيخ ثقافة العمل المؤسسى للمصلحة الوطنية ، وتطوير آليات التواصل الدورى بين القمة والقاعدة وتغليب المصالح العامة ونبذ التعصب والإيمان باختلاف الآراء ، تطوير البرامج والرؤى وتعزيز برامج التدريب والتوعية السياسية وتأهيل الكوادر تأهيلاً منهجياً والقضاء على الشللية فى كل موقع ، و تهيئة مناخ صحى يؤدى الى حواراً حراً و مسؤولاً وبنًاءاً للتعبير عن الرأى فى نسق مع الدستور والقانون والأعراف والثوابت الوطنية.
ومن عوامل نهوض العمل الحزبى توفير أُطر تشريعية ، و تمكين الشباب والمرأة داخل الهياكل القيادية وعدم إقصاء أى من الكوادر داخل الكيانات الحزبية لتكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع والإلتزام بالدستور والقوانين المنظمة للعمل السياسى .
إنه من الواجب سرعة استثمار رؤية القيادة السياسية فى دعوة سيادته للعمل على تنشيط الحياة الحزبية وذلك بفتح أبواب الحوار المجتمعى سياسياً لتحقيق الأهداف من هذه الدعوة ترسيخاً للمشاركة المجتمعية .
حفظ الله مصر