تمثل مبادرة "القرية المنتجة" أحد أبرز المشروعات التنموية التي تتبناها الحكومة المصرية خلال المرحلة الحالية، في إطار تنفيذ توجيهات القيادة السياسية بتحقيق تنمية اقتصادية متكاملة داخل الريف، والانتقال من مفهوم القرية المستهلكة إلى القرية القادرة على الإنتاج والتصنيع وتوفير فرص العمل، بما يرفع مستوى معيشة المواطنين ويعزز مساهمة الريف في الاقتصاد الوطني.
وتقوم المبادرة على شراكة بين وزارات الزراعة، والصناعة، والتنمية المحلية والبيئة، والتخطيط والتنمية الاقتصادية، والتضامن الاجتماعي، إلى جانب اتحاد الصناعات المصرية، والبنوك الوطنية، والقطاع الخاص، لضمان توفير التمويل والخبرات الفنية والتسويقية اللازمة لإنجاح المبادرة.
تعتمد المبادرة على إعداد خريطة إنتاجية لكل قرية وفقًا لمواردها الطبيعية والبشرية، بحيث يتم اختيار النشاط الاقتصادي الأنسب لها. فالقرى الزراعية تتجه إلى التصنيع الزراعي والغذائي، بينما تتخصص قرى أخرى في الصناعات الحرفية أو النسيجية أو منتجات الألبان أو العسل أو النباتات الطبية والعطرية، بما يحقق أعلى قيمة مضافة للمنتج المحلي.
وأحد أهم محاور المبادرة هو حصر جميع الأراضي والمباني والمنشآت الحكومية غير المستغلة داخل القرى، وخاصة المنشآت التي تم إنشاء بدائل لها ضمن مبادرة "حياة كريمة"، وتحويلها إلى مصانع صغيرة أو مراكز للتجميع والتعبئة أو وحدات للتصنيع الزراعي، بدلاً من إنشاء منشآت جديدة، وهو ما يقلل التكلفة ويسرع التنفيذ.
وتستهدف المبادرة إنشاء وحدات صناعية صغيرة ومتوسطة بالقرب من مناطق الإنتاج الزراعي، بما يساهم في تقليل الفاقد من المحاصيل، وخفض تكاليف النقل، وتحويل المنتجات الخام إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى، مع ربطها بسلاسل الإمداد والأسواق المحلية والتصديرية. كما تعمل هيئة التنمية الصناعية على تيسير إجراءات الترخيص والإشراف الفني على تلك المشروعات.
توفر المبادرة حزمة متكاملة من الخدمات تشمل التدريب الفني، والإرشاد الزراعي، ونقل التكنولوجيا، وتوفير التقاوي عالية الإنتاجية، وتحسين السلالات الحيوانية، ونشر أساليب الري الحديثة، والتوسع في مراكز تجميع الألبان، بما يرفع الإنتاجية ويحسن جودة المنتجات ويزيد القدرة التنافسية.
ويعد القطاع الخاص شريكًا رئيسيًا في تنفيذ المبادرة، حيث يتولى تشغيل وإدارة العديد من الوحدات الإنتاجية، بينما توفر البنوك الوطنية برامج تمويل ميسرة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، مع دعم برامج الشمول المالي وتمكين الشباب والمرأة الريفية من إقامة مشروعاتهم الخاصة.
تولي المبادرة اهتمامًا بتطبيق معايير الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري، من خلال إعادة تدوير المخلفات الزراعية، وترشيد استخدام المياه والطاقة، وتقليل الانبعاثات، بما يحقق تنمية مستدامة ويحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
بدأت الحكومة تنفيذ المرحلة الأولى من المبادرة باختيار 10 وحدات محلية قروية ضمن قرى المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، بعد الانتهاء من الزيارات الميدانية وحصر الإمكانات المتاحة، على أن يتم التوسع تدريجيًا في باقي المحافظات عقب تقييم نتائج المرحلة الأولى.
تسعى مبادرة "القرية المنتجة" إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها:
توفير فرص عمل مستدامة للشباب والمرأة داخل القرى.
زيادة دخول الأسر الريفية وتحسين جودة الحياة.
تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة للمنتجات.
دمج الاقتصاد الريفي في الاقتصاد الرسمي.
الحد من الهجرة الداخلية إلى المدن.
دعم الأمن الغذائي وزيادة الصادرات.
تعظيم الاستفادة من الاستثمارات التي نفذتها الدولة في قرى "حياة كريمة".
ويرى الخبراء أن نجاح المبادرة سيمثل تحولًا كبيرًا في مسار التنمية الريفية في مصر، من خلال بناء اقتصاد محلي قائم على الإنتاج والتصنيع، بما يجعل كل قرية مركزًا اقتصاديًا قادرًا على استغلال موارده وتحقيق التنمية المستدامة، مع تعزيز مساهمة الريف في الناتج المحلي الإجمالي ودعم خطط الدولة لزيادة الصادرات وتوطين الصناعة.