أكد الباحث والمحلل السياسي الفلسطيني الدكتور أشرف القصاص أن استمرار التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يرتبط فقط بالحسابات الانتخابية داخل إسرائيل ، وإنما ينسجم مع استراتيجية اليمين الاستيطاني الهادفة إلى ضم الضفة الغربية بصورة كاملة وفرض واقع جديد على الأرض.
وأوضح القصاص أن الاعتداءات التي نفذها المستوطنون في قرية تل جنوب غرب نابلس، إلى جانب الهجمات التي استهدفت قرى وبلدات أخرى في الضفة الغربية ، تمثل حلقة جديدة في سلسلة متصاعدة من العنف المنظم، لكنها تختلف من حيث توقيتها وحجمها والرسائل السياسية والميدانية التي تحملها.
وأضاف أن ما يجري يتجاوز كونه احتكاكات بين مستوطنين وفلسطينيين، ليعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في الضفة الغربية عبر استخدام العنف وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وأشار إلى أن استهداف الفلسطينيين وممتلكاتهم يتزامن مع إجراءات عسكرية إسرائيلية مشددة، بما يعكس – بحسب وصفه – تكاملاً في الأدوار بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي، حيث يتحرك المستوطنون في كثير من الحالات تحت حماية قوات الاحتلال، وفي ظل غياب أي تدخل لوقف اعتداءاتهم، وهو ما يعزز، وفق تقديره، أن هذه الهجمات ليست أعمالًا فردية، بل جزء من استراتيجية أوسع لزيادة الضغط على الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم ضمن مخطط يستهدف الضم والتهجير.
ولفت القصاص إلى أن تصاعد الاعتداءات يأتي أيضًا في ظل احتدام المنافسة بين قادة الأحزاب اليمينية الإسرائيلية، الذين يتسابقون لإظهار مزيد من التشدد تجاه الضفة الغربية، موضحًا أن الملف الفلسطيني أصبح إحدى أهم ساحات التنافس السياسي، عبر التوسع في الاستيطان وتشديد القبضة الأمنية وفرض السيادة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية.
وأكد أن اختزال ما يجري في كونه حملة انتخابية لا يكفي لتفسير المشهد، لأن الاعتداءات الحالية تنسجم مع مشروع استراتيجي يقوم على توسيع المستوطنات، وربط البؤر الاستيطانية، وإضعاف الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة (ب) و(ج)، بما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيدًا.
وأضاف أن تصريحات عدد من الوزراء في الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما الدعوات إلى التعامل مع بعض قرى الضفة الغربية بالطريقة نفسها التي يتم بها التعامل مع قطاع غزة، تعكس انتقال الخطاب من مستوى التهديد إلى التمهيد لتبني سياسات أكثر تشددًا، تشمل العمليات العسكرية وفرض العقوبات الجماعية.
وتوقع القصاص ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال المرحلة المقبلة، يتمثل أولها في استمرار التصعيد من خلال تكثيف الاقتحامات واعتداءات المستوطنين وتوسيع الاستيطان، بينما يتمثل الثاني في تنفيذ عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في شمال الضفة، خاصة في نابلس وجنين وطولكرم، أما السيناريو الثالث فيتمثل في استغلال الحكومة الإسرائيلية حالة التصعيد لتسريع مشاريع الضم غير المعلن وتوسيع المستوطنات وإضعاف الوجود الفلسطيني.
وحذر من أن استمرار هذه السياسات قد يقود إلى تغيرات جذرية في الضفة الغربية، مع تزايد احتمالات اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، وإن كان من الصعب التنبؤ بتوقيت حدوثها.
وفي قطاع غزة، أشار القصاص إلى استمرار الخروقات الإسرائيلية، من خلال القصف الجوي والمدفعي واستهداف المدنيين ونسف المباني السكنية في مناطق متفرقة، بينها خان يونس وحي التفاح وجباليا، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بصورة يومية.
وأوضح أن القطاع الصحي يواجه أزمة غير مسبوقة، بعدما أعلنت وزارة الصحة في غزة أن نحو 70% من مركبات الإسعاف خرجت عن الخدمة نتيجة الاستهداف المباشر أو نقص قطع الغيار، الأمر الذي ينذر بشلل شبه كامل في منظومة الإسعاف والنقل الطبي.
كما حذر من تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع بسبب استمرار الحصار وإغلاق المعابر، وعدم الالتزام بتطبيق البروتوكول الإنساني، إلى جانب القيود المفروضة على عمل المؤسسات الإغاثية، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في المياه والغذاء والدواء، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية وشيكة إذا استمر الوضع على حاله.